"نحو المدينة العربية الفاضلة: مدينةٌ خالية من آثام الجرائم الصهيونية والطائفية والذكورية ومن جرائم أنظمة العسكر". PDF Print E-mail
User Rating: / 4
PoorBest 
Written by Naji Al-Khatib   
Friday, 11 September 2015 14:51

Voir dernière publication :

https://www.academia.edu/26057106/Projet_sur_les_r%C3%A9seaux_de_connaissances_et_la_reconstruction_des_Cit%C3%A9s_Vertueuses_-_Colloque_participatif_Mondialisation_et_Editorialisation_-_MSH_Paris_Nord

 

 

 

" نحو المدينة العربية الفاضلة"......حقاً؟

 

 

التقيتُ في "باريس" بالأستاذ المسرحي السوري "امين الصالح" في جلسة مثيرة وقد شرحَ خلالها مشروعه الطموح في العملِ على إذكاء النقاش حول ملامح "المدينة الفاضلة" لمدينة المستقبل العربية معتمداً على طرح "الفارابي"، أكبر الفلاسفة تؤثراً بالإرث الفلسفي اليوناني في عصره.

للوهلة الأولى لم تكن فكرة مشروع "المدن العربية الفاضلة" إلا مدعاة لإثارة دهشتي واستغرابي للفكرة فهل يمكن الحديث عن "الفضيلة" في زمن "الرذيلة" والجريمة هذا؟ أليست المدن العربية مسرحاً مأساويا لممارسة التدمير والقمع والقتل المنظم والعشوائي من قِبلِ أنظمة العسكر والطائفية والقوى الجهادية والظلامية ومن قبل الدولة الصهيونية في فلسطين؟

هل مدن الفوضى ومدن العطش ومدن العنف المُعَمَم والعنف ضد النساء تحديدا، ً يمكن أن تتحول الى مدن فاضلة؟ وكيف يمكن ان نتحدث عن "الفضيلة" في مدنٍ محكومة بعصابات الميليشيات الطائفية وبعسس أجهزة الاستخبارات و"الزعران" و"البلطجية" و"الشبيحة" و"الفلول" وما شابه.

ألا تستدعيّ الفضيلة نقيضها والذي يلخصه واقع عربي معاش لا يمتُ الى الفضيلة بصلة؟

وهل "الفضيلة" بالمطلق، ودون الارتباط بهذا السياق العربي والإسلامي، ممكنة التحقق والتجسد في الممارسة؟

 

مجمل هذه التساؤلات دفعتني الى كتابة هذه الورقة بعد أن اجتزتُ مرحلة الاستغراب بل والاستهجان لفكرةٍ بَدَت لي وكأنها مغرقة في المثالية ومعزولة عن الواقع المُعاش في هذه المدن النازفة دماً ودموعاً وكرامة.

عنوان هذه الورقة يعبر عن حالة التلقي لهذه الفكرة إذ كدتُ أن أقول لأستاذنا الكريم: حقاً...هل أنت جادٌ في ذلك؟ مدينة فاضلة... عن ماذا تتحدث؟

 

St. Augustin كان وأن سبقك في الحديث عن "مدينة فاضلة" ولكن فيلسوفنا اللاهوتي ذاك، قَدَمَ المدينة الفاضلة بصفتها "مدينة الله" السماوية مُلقياً بذلك شكوكاً ضمنية حول إمكانية تحقُقِها كـ «مدينة الإنسان" الأرضية والدنيوية، مدينة الشرور والغلبة والمآثم.

وقبل ذلك بكثير، قدم لنا "أفلاطون" جمهوريته التي لا بدّ وأن تكونَ فاضلةٍ بدورها. "جمهورية أفلاطون" وإن لم تكن تُمثِل مدينة سماوية، كانت ترسم ملامح مدينة فاضلة و "مِثالية" مُنتمية الى حقلٍ مُتَخَيل خارجِ الممارسة الإنسانية بواقعيتها المُريعة وبدمويتها الفظة.

هل مثالية وطوباوية الفضيلة يُخرِجُها من حقل الممارسة الى حقل المُتَخَيل مُجَرِداً لها بذلكَ من البُعد "السياسي"؟ بكلمات أخرى، هل يمكن ان نقارب الفضيلة سياسياً؟ وهل "المدينة الفاضلة" تشترِطُ "سياسة فاضلة"؟ وإن كان الجوابُ بِ "نعم"، فما هي السياسة الفاضلة؟

 

سياسة فاضلة لمدينة فاضلة

الفضيلة والعدالة

الثقافة والأخلاق بمواجهة البربرية

 

من المؤكدِ أن التراث الفلسفي الغربي المعاصر ارتكزَ في نظرته للفضيلة على الإرث الإغريقي ـ اللاتيني وذلك منذُ أن أكدَ "أرسطو" على ان الفضيلةُ هي الفضيلة الأخلاقية بامتياز وتحديداً في حقل التنفيذ والتطبيق والممارسة (الشجاعة، الشهامة، العفو، الاستقامة). "أفلاطون" من جهته، أضاف الى الفضيلة بُعداً معرفياً إذ قَدَمَ الثقافة والمعرفة كعناصر ضرورية لبناء "الجمهورية" الفاضلة، جمهوريةٍ تسودها المعرفة والحكمة والعدالة و"السعادة" أيضاً. لقد كان هذا التراث الفلسفي هو المرجعية التأسيسية لِرجال الفكر والفلسفة واللاهوت في أوروبا العصور الوسطى كَـ "توماس الإيكويني"(القرن الثالث عشر) والذي عَبَّرَ بقوة عن حالة التواصل والإستمرارية هذه ما بين الماضي الإغريقي ـ اللاتيني وأوروبا ـ عصر النهضة وصولاً لمرحلة "ما بعد الحداثة" في زمننا الراهن.

 

  St. Thomas d’Aquin[1]الأرسطي واللاهوتي الكاثوليكي معاً، منحَ الفضيلة بعداً سياسيا عمومياً وذلك لربطه إياها بمفهوم "العدالة" إذ أن "العدالة" هي الفضيلة الوحيدة من بين الفضائل المتعددة والتي لا يمكن أن نمارسها بمفردنا إذ أن ممارستها ترتبطُ وتشترطُ حضور "الآخر" وهذا الحضور هو "جوهر السياسة" المُنَظِمة لحياة الفرد ضمن الجماعة. وعدالة السياسة، أو بكلمات أخرى، "السياسة العادلة" هي السياسة الوحيدة الكفيلة بضمان الأمن الاجتماعي وهي أكثر أنواع السياسات فعالية لتحقيق التوازن الضروري للحياة المجتمعية.

السياسة العادلة إذن، هي السياسة البناءة في سبيل بناء المدينة الفاضلة والمدنية الراقية وذلك عبر فرضِ الأمن الضروري للحياة في مجتمع إنساني، أمناً يكفلُ دحرَ الشرور والعدوانية والقلاقل المُتَرَتبةِ على طموحات الغلبة والقهر والتي قد يمارِسها فريق (طبقة اجتماعية، نخبة متعلمة، نخبة عسكرية، فئة طائفية أو جهوية) ضد الفريق الآخر (و/أو ضد المجتمع الكلي) في سبيل فرض هيمنته وتحكمه واستئثاره بمقاليد الحكم والثروة.

السياسة العادلة ضمن هذا المنظور هي سياسة الاعتدال والتأني والتَفَكُر وقبول الاخر المُختلِف والمُتمايِز وهي سياسة السلوك التفاوضي كبديلٍ للسلوك العنفي لحل الصراعات ولتهميشِ التناقضات المُتَرَتِبة عن تضارب المصالح المادية والرؤى الدينية والفلسفية لهذا ولِذاك.

في هذا السياق، تبرزُ السياسة الفاضلة كسياسة العدل الاجتماعي (العدلُ السياسي والاقتصادي) والتصالح والتقاسم والتحكم بالغرائز الفردية والجماعية وتحكيم العقل ضد سيطرة العواطف الفردية والدينية والقومية بما هي عواطف أنانية جوهرها التعالي والتكبر والاستئثار والتحيُز والمحاباة.

أما تحكيم العقل فمن شأنه "أنسنةُ" السياسة ورفع مستواها الحضاري وذلك عبر تكريس قيم الرصانة والحكمة لمقاومة حُمى الجنوح "الغريزي" نحو الحرب والثأر والانتقام والتعصب مما يجعلُ من السياسة الفاضلة بالجوهر تكريساً لحضور "اناً عليا"[2] جماعية وفردية في صلبِ العملية الاجتماعية. حضور "الأنا الأعلى" كجوهر ٍ للممارسة السياسية هو رديف حالةٍ من "الوعي الأخلاقي " الضروري للاعتراف بالآخر وبحقه بالاختلاف، وعياً ـ مُحَرِكاً لقيمٍ رفيعة من التسامح والتواؤم والتفكير الحر والسليم والمُعافى كحاجزِ فعّال ضد الأمراض الأخلاقية والعقلية لأجهزة القمع الرسمية وللمتطرفين والقتلة على اختلاف مشاربهم ممن لا يكترثون بأي فضيلة.

فرضُ وتطبيق الفضيلة يبرز هنا كمعركة مستمرة لإقرار إنسانيةٍ غيرُ ناجزة. معركةٌ ضد القوى الغاشمة والنزعات التسلطية القوية الكامنة في النفس الإنسانية إذ أن هذه القوى والنزعات شديدة المراس لرسوخها في أعماقٍ دفينة. مواجهة ومُحاربةِ هذه النزعات المُعرقلة لبلوغ الكمال الأخلاقي لإنسانيةٍ حقة هي جوهر هذه "الثورة المستمرة" ضدَ الذات وجنوحها وانحرافاتها التدميرية.

في هذا السياق، كان Stendhal (القرن التاسع عشر) مُحِقاً عندما قدمّ الفضيلة كموقفِ تَقَبُلِ مكابدة العناء والقيامِ بجهدٍ يحملُ فائدةُ للآخر وذلك على تضادٍ مع الجهد الفردي الهادف الى تحقيق المصلحة الذاتية لمن من يقوم به. جوهر التضحية كقيمة فاضلة هو التضحية من اجل الآخر بناءً على حكمٍ عقلاني وإرادي وواعي، وارتباطُ "الوعي" و"الإرادة" و"الإختيار" و"العقل" بالفضيلة هو ما اكدّ عليه "سبينوزا" Spinoza (القرن السابع عشر) بتعريفه للفضيلة بما هي "طُرق العيش والسلوك المتطابق مع العقل واشتراطاته"[3].

Montesquieu (القرن السابع عشر) في كتابه "روح القانون"[4] أحدثَ نقلة نوعية في مفهوم الفضيلة وذلك عبر القيام بـِ "تسييسه" بِشكلٍ أكثر خصوصية مما قامَ به "توماس الإكويني"، ناقلاً إياه من الحقل الثيولوجي الى الحقل السياسي الحداثي إذ اعتبرَ أن أكثر الفضائل أهمية هي فضيلة " حب الوطن والعمل على تحقيق المصلحة العامة"، ولذا، فإن الفضيلة بصيغتها هذه هي المبدأ الناظم للديموقراطية.

 

 

[5]Emanuel Kant من جهته، اعتبر أن الفضيلة هي ثمرة للتفكير السليم بينما نقيضتها من الرذيلة فهي ثمرة للتفكير الآثم، ورغم انتماء "كانط" لحقبة عصر النهضة (القرن الثامن عشر) فقد سار على خطى "توماس الإكويني"، اللاهوتي الكاثوليكي سابق الذكرِ وتأثرَ بعمقْ بالفلسفة "الأرسطية" والتي اكدت على أن الفضيلة هي تجسيدٌ لعنصري "الاعتدال" و"الرصانة" في مواجهة فقدان السيطرة والتطرف والسعي نحو الغلبة والنفوذ. وهكذا، يمكن اعتبار الفضيلة كجوهر للمنظومة الأخلاقية وكحاجزٍ فعّال ضد الانحراف نحو البربرية الكامنة في أعماق الإنسان. التفكير السليم والرزين والمعتدل قد يلجمَ تلك الغرائز البدائية في بحثها عن إشباع آنيّ لاحتياجاتها دون اعتبار "الاخر" ومصالحه وحقوقه المتضررة جراء هذا اللهاث المستميت والقاتل. "الآخر" وحقه بالوجود وبالحياة هو ما تحميه وتضمنه اخلاقيات "الأنا الأعلى" ضد طغيان علاقات القوة المتغولة في الغابة "الا ـ إنسانية".

أخلاقيات الفضيلة هذه هي تشذيب للنفوس وللسلوك لكي يتم انسنَتَها عبر إخضاعها لقوانين الأديان والفلسفة والأخلاق والثقافة، ولذا، فهي أداة تربوية لبناء الإنسان السليم في مجتمع الوئام والتسامح والحكم الراشد.

وهكذا، مثلت فكرة "الفضيلة" نوعاً من الاستمرارية ما بين الفكر التنويري لعصر النهضة الأوروبية والفكر الكنسي وذلك على الرغم من حالات "القطيعة المعرفية" ما بينهما وهذا التقاطع وهذه الاستمرارية جعلت من "الفضيلة" ذاتُ دلالاتٍ لاهوتية وقُدُسية وحداثية ٍ علمانية معاً.

 

بالمقابل، كانت الممارسات الاجتماعية والسياسية للكنيسة والتي لم تتطابق بالغالب مع "الأخلاق المسيحية" التي تبثها والتي تُؤكِد على أهمية الفضيلة، سبباً لأفول وبهوت مفهوم الفضيلة المسيحي دون ان توجه له الحداثة التنويرية هذه ضربة قاصمة لاجتثاثه من الجذور.

جملة التطورات الحداثية لمفهوم الفضيلة على يد فلسفة التنوير أضعفت من هالات القداسة المسيحية والدلالات الدينية التي ترتبط به (الإيمان والإحسان والرأفة وعفة النساء وعذريتهن) دون أن تعملَ على نقضه وإزاحته بالكامل من مجالات تنظيراتها وكأن علاقة حميمة ومتينة تربط ما بينه وبين الخطاب الديني اللاهوتي الآفل بالوجود مما جعلَ مِن "مأسسةِ" مفهوم الفضيلة الحديث عنصرٍاً سياسياً مركزياً في النظام "الديموقراطي" المُتَخَلِص من شوائب الأيديولوجيا اللاهوتية ولكنه أيضاً عنصراً مضطرباً ومتناقضاً بِفِعلِ حبل السرة الرابط ما بينهما.

هذا الاضطراب والتناقض في مفهوم "الفضيلة" عززه حضورِ "عيبٍ تكويني " في الفكر الأوروبي مرده ذلك الجذر الإغريقي ـ اللاتيني ذاته، ذلك الجذر المُساهم بقوة في إحداث وتحفيز النهضة والحداثة الأوروبية. ألم تكن "الديموقراطية الإغريقية" ديموقراطية منقوصة وذلك لكونها "ديموقراطية" مُقتصرة على الذكور "الأحرار" مُسُتَبعِدة بذلك للنساء من حقلها؟

 

 

مدينة ومدنية "الديموقراطية" الذكورية الـ "لا ـ فاضلة"

معاداة النساء في "الديموقراطية" الأثينية تواصلت في اللغة وفي الحضارة اللاتينية اللاحقة لها ولم تكن قضية "الفضيلة" إلا إحدى تمظهراتها. طردُ النساء من جنة الديموقراطية اليونانية أعقبه طردهن من "الفضيلة" اللاتينية والتي يحتكرها جنس الرجال حصرياً. الجذر الاشتقاقي لمفردة "الفضيلة" vertu يعودُ الى  vir، أي الرجل والصفة vertutem هي صفة القوة الذكورية وما يُصاحِبها من ملامح "الشجاعة" و "الإقدام" و"الاستقامة" وهي صفاتٌ لا تتمتعُ بها النساء[6]. أما الفضيلة نسوياً فهي تُختَصَرُ بفضيلة "العفة"، عفة المرأة وامتناعها الإرادي عن التمتع بالجنس "المُحَرَم" إخلاصاً للرجل شريك حياتها وهذه العفة النسوية لا يقابلها عفة رجالية مُتَبادَلة تجاه المرأة.  فضيلة العفة المُجَنسنة (sexed, sexué) هذه هي عفةٌ ذات اتجاهٍ واحد إذ لا تشترطُ على الرجال ممارسة الزهد والتقشف الأخلاقي تجاه المُتع الجنسية "المُحَرَمة". فضيلة العفة افتقدت بذلك لصفة الشمولية وافتقادها لهذه الصفة ينتقضُ من مبدأ "العدالة" الناظم لكلِ فضيلة (العدالة كمبدأ شمولي لا يؤخذ بعين الاعتبار تمايز الأصل والجنس البيولوجي والدين).

 

فضيلة العفة بالمنظور الذكوري اللاتيني لا تلبي شرط العدالة في مدينة "العدل" الفاضلة ملتقية بذلك مع "لا ـ عدالة" مدينة الفضيلة للديموقراطية الأثينية المُعادية للنساء والمُستَبعِدة لهنّ من الحقل العام للمواطنة. وهكذا، اتفق الإرث اليوناني مع وريثه اللاتيني على صعيد اللغة والممارسة السياسية لبناء "مدينة فاضلة" و "ديموقراطية" ذات جوهرٍ ذكوري بامتياز.

التحليلُ الفذ الذي قدمته المناضلة النسوية الفرنسية" أنطوانيت فووك" حول "لا ـ ديموقراطية" النظام السياسي الغربي المُدعي للديموقراطية والرافع لراياتها والداعي لشعوب المعمورة باقتداء نموذجها يصلحُ هنا لمقاربة هذه الفضيلة الكبرى للمبدأ العلماني في الديموقراطية الغربية الناجزة. هذا التحليل الذي قدمته Antoinette Fouque[7] يكشف لنا زور هذا الادعاء إذ لا يمكن ان تقوم قائمة للديمقراطية الحقة في نظامٍ لا يمنح النساء مساواة فعلية وجذرية في الممارسة وفي التطبيق على ارض الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. شعارُ النضال النسوي الذي رفعته هذه المناضلة نحو "العملِ على دمقرطة" "الديموقراطيات" المُدَعاة يتعارضُ مع الإعجاب النرجسي بالذات الغربية وبعلمانية وديموقراطية الحضارة الغربية "الرفيعة" "التقدمية" و"المُتقدِمة".

وهكذا، فإنَ "المدينة الفاضلة" كنسخة عن المدينة والمدنية الغربية بجذورها الاغريقية واللاتينية والمسيحية والعلمانية الحديثة ليست ولن تكون "فاضلة" بفعل غياب العدالة ما بين الجنسين فلا فضيلة بدون عدالة مطلقة وشمولية. غياب العدالة هو رديف الفساد الأخلاقي وسيادة منطق علاقات القوة والغلبة والنفوذ واغتصاب حقوق الضعفاء من الجنسين ومن جميع الشعوب وسلب النساء حقوقهن واخضاعهن للديكتاتورية الذكورية.

 

على ضوء هذا الاستعراض التاريخي، التحليلي ـ التفكيكي لإشكاليات الفضيلة "المستحيلة" في الحقل الأوروبي والغربي والتي صاحَبَها استخدام ذلك الكم الهائل من الإنتاج الفلسفي لتحليلها ولتجميلها وتزويق و"تسويق" محاسنها، هل يمكن للحضارة العربية ـ الإسلامية الادعاء بوجود نوعٍ آخر من الفضيلة، نوعاً لا تشوبه إشكاليات نظيراتها الغربية؟ وهل "الفارابي" ومدينته الفاضلة يمكن أن يُشكل مرجعاُ فلسفياً لفضيلةٍ خصوصية و"نموذجية" بنكهةٍ عربية واسلامية؟ وما هي حظوظ الأستاذ "أمين الصالح" في استعادةٍ مُوَفقة لفيلسوفنا القديم لتأطير مشروعه لِبناء "المدينة العربية الفاضلة"؟

 

"أبي نصر الفارابي" و"المدينة الفاضلة"

من المؤكدِ هنا أن العودة الى هذا الفيلسوف الفذ (القرن العاشر الميلادي) لن تكون حنيناً لماضٍ عربي ـ اسلامي ذهبي لبناء حاضر يُحاكي هذا الماضي المُتَخَيَل إذ أن فيلسوفنا هذا كان له السبق في مساءلة "النبوة" و "الشريعة" عن مرتكزاتهما العقلانية وذلك اعتماداً على هضمه للفلسفة اليونانية، هضماً واستيعاباً دَفَعَ بـِ "ابن سينا" للاعتراف علناً بأنه لم يفهم "أرسطو" والذي قرأه أربعين مرة إلا بعدَ قراءته للفارابي. ولكن، من الضروري هنا أيضاً عدم الاندفاع في إعجابنا بهذا الفيلسوف لكي نُحَمِله ما لا يحتَمِل كما سبق وأن عُومِل "ابن خلدون" والذي حملنا فكره السوسيولوجي ما لا يطيق من اسقاطاتٍ حداثية مُتَسرِعة.

الفارابي كان فيلسوفاً متشبعاً بالفكر الإغريقي وقد كان شديد التأثر بمنطق أرسطو، ذلك المنطق الناظم والمولد للقوانين "التي من شأنها أن تقّوم العقل وتسدد الإنسان نحو طريق الصواب ونحو الحق في كل ما يمكن ان يُغلَطُ فيه من المعقولات.... وهي القوانين التي تحفظه وتحوطه من الخطأ والزلل في المعقولات"[8]. ولكن، تجاور "المنطق" و"العقل" وقوانينه في تنظير الفارابي لم يكن دافعاً كافياً لإحداث قطيعة ما بين "العقل" و"التأملات الروحانية" في فلسفته. وهكذا، كانت مقولات العقل الفلسفي لدى الفارابي تتعايش ومقولات العالم الروحي مما يؤدي كنتيجةٍ حتمية الى الجمعِ ما بين "النبوة" و"الفلسفة" واستطراداً على ذلك الجمعُ ما بين "الحكمة" و"الشريعة".

ملامح هذه الفلسفة الفارابية تشي بالتناقض بفعلِ طابعها "التوفيقي"، فمن جهة، أكدّ الفارابي على أن مرتبة "الفيلسوف" هي أعلى من مرتبة "النبي" (يا للهول، سوف يصرخُ إسلاميونا المعاصرين) وبأنَ مرتبة "الفلسفة" أعلى من مرتبة "الشريعة" والتي يجبُ أن تَخضعَ فيها الثانية للأولى في السعي نحو بلوغ الكمال والسعادة.

جرأة الفيلسوف هذه والتي قد تدفعُ بنا لتمجيده كفيلسوف عقلاني سابق لزمانه قد تجدُ في مواقف أخرى للفارابي تدعيماً للقيامِ بمحاولة إسقاطٍ حداثيٍ على فكره وفلسفته، ألم يتعارض والخطاب الديني السائد في زمنه من قضية "الخلقِ من عدم"؟ الفارابي اعتبرَ أن "الموجودات الطبيعية تبتدأ ناقصة ثم تترقى شيئاً فشيئاً الى ان تبلغ مرحلة الكمال"[9]. بكلمات أخرى، يمكن القول بأن هذا التنظير يتعارض مع الخطاب الديني حول خلق الكون من عدم، فالخلقُ من عدم يعني أن الخلق حدثَ مرة واحدة ونهائية مُنتِجاً مخلوقات متمتعة بالكمال والاكتمال منذ بداياتها الأولى وليس كمالُها نتاجاً لِحركةٍ من النمو والتطور والرقي.

وهكذا، هل إقرار الفارابي بأن مرتبة الفيلسوف هي اعلى من مرتبة النبي، وبأن الفلسفة أعلى مرتبة من الشريعة وبخلق الكون وتطوره على الشاكلة الداروينية (رغم التسعة قرون التي تفصل ما بينهما)، بأسباب كافية لوصفه بفيلسوف العقلانية الاسلامية؟ بالتأكيد، تحدث الفارابي عن بلوغ الكمال بما هو جوهر السعادة والتي هي "المعرفة العقلية". بلوغ الكمال هذا، أي تحصيلُ السعادة بما هي "غاية روحية خالصة" و"كمال عقلاني" إنما هو فعلٌ انساني "إرادي" و"اختياري" (الملكات الإرادية للإنسان) وليس بفعلٍ تقعُ أسبابه وعلله خارج إرادة الإنسان (تطبيقاً لإرادة ربانية وانقيادا لقوانين سماوية). في تصريح "خطير" منسوب للفارابي قوله فيه بأن "السعادة في هذه الحياة وفي هذه الدار وكلُ من يذكر غير ذلك فهو هذيان وخرافات عجائز"[10].

 

هل "تمادى" الفارابي في عقلانيته وهل شعر بالخوف من هذا التمادي؟ خوفاً دَفَعَ به الى تخفيف حدة العقلانية في فلسفته والتي عبر عنها بمحاولات توفيقية على شاكلة المساواة ما بين الفيلسوف والنبي بعد أن كان وسبق أن وضع الفيلسوف في مكانةٍ اعلى من النبي؟

بالطبع، لا نملك جواباً لهكذا سؤال افتراضي ولكن يمكننا القول بأنَ تناقضات الفارابي ما بين التفضيل أحياناً والمساواة أحياناً أخرى ما بين النبوة والفلسفة وما بين الشريعة والحكمة قد تعكس بصورة واضحة هذا التثاقف الفلسفي ما بين الحضارة الإسلامية والإغريقية.

عبقرية الفلسفة الفارابية تكمنُ في التأكيدِ على إمكانية التحقق الفعلي الناجز للسعادة الإنسانية وذلك عن طريق "العقل" و"الفضيلة" في "الحياة الدنيا" وليس في "الآخرة" فقط. إحكامُ العقل في الموجودات واتباع طرق الفضيلة في الممارسات هي نشاطات إنسانية واعية واختيارية.

جوهر النشاط الإنساني الاختياري الواعي هو جوهرٌ "سياسي" فالمدينة الفاضلة لا يمكن أن تقوم لها قائمة بمعزلِ عن هذا العامل السياسي إذ أن المدينة الفاضلة هي تلك المدينة المرؤوسة من رئيس يُجَسِد في ذاته شخصية "النبي" و"الفيلسوف" معاً. حضور "الحاكم ـ النبي ـ الفيلسوف" هو الشرط التكويني للمدينة الفاضلة بما هي قمة الكمال الإنساني وأعلى درجات الحضارة.

وقد عَدَدَ الفارابي خصال الرئيس الاثنتا عشر كالتالي:

1.      أن يكون تام الأعضاء

2.      أن يكون بالطبع جيد الفهم والتصور، جيدا الحفظ لما يفهمه ويدركه

3.      جيد الفطنة ذكيا

4.      حسن العبارة

5.      محبا للتعليم والاستفادة

6.      غير شره فى المأكول والمشروب والمنكوح

7.      محبا للصدق واهله مبغضا للكذب وأهله

8.      كبير النفس محبا للكرامة

9.      أن يكون الدرهم والدينار وسائر اغراض الدنيا هينة عنده

10.  ان يكون بالطبع محبا للعدل واهله مبغضا للجور والظلم وأهله

11.  ان يكون عدلا غير صعب القيادة ولا جموحا ولا لجوجا 

12.  قوى العزيمة جسورا غير خائف ولا ضعيف النفس

 

خصال "الفيلسوف ـ النبي ـ الحاكم" للفارابي رغم تقدمها على زمنها تظلُ خصال "الحاكم ـ الذكر" على غرار الديموقراطية الإغريقية "العادلة" ذكورياً والمُستبعِدةِ للنساء من حقل ممارستها السياسية.         وهكذا، فإن "تقدمية" الطرح الفارابي في مدينته الفاضلة لا تصلح لزمننا كما لم تكن صالحة لزمانه. عقلانينته هذه تبقى عقلانية ذكورية تتجاهل وجود النساء في الحقل المنظور وكأنَ أهل المدينة الفاضلة هم من جنس الرجال فقط. الرئيس الفاضل للمدينة الفاضلة هو رئيس ونبي وفيلسوف لعالم الرجال كما هي الديموقراطية الأثينية الـ "لا ـ عادلة".      هل مدينتنا العربية المستقبلية "الفاضلة" هي "مدينة الذكورةـ الفائضة" ؟ مدينة التحرش الجنسي وبرقعة النساء وقمع حريتهن بالعيش وبالوجود وبتقاسم الحقل العام مع الجنس "الفاضل" من الرجال؟

 

بهذه الإطلالة على جذور "الهيمنة السياسية للذكورة"(**)، سوف لن يكون من السهلِ استحضار خطابِ حول "الفضيلة"، فعن أي فضيلةٍ نتحدث؟ وهل "المدينة الفاضلة" على مرمى حجر؟

 

بهذا الاستنتاج المتشائم بل والسوداوي ولكي أصبح ذلك "المتشائل" الفلسطيني الذي رسم "اميل حبيبي" صورته بإتقان من "اطلال" مدينة "حيفا" الفلسطينية والتي يقترح الاستاذ "أمين الصالح" أن تكون أولى المدن العربية الفاضلة في مشروعه، إرتأى ليّ ضرورة تغيير عنوان هذا المشروع الى التالي: "نحو المدينة العربية الفاضلة: مدينةٌ خالية من آثام الجرائم الصهيونية والطائفية والذكورية ومن جرائم أنظمة العسكر".

 

عنوان طويل ولكنه عنوان يوحد ما بين المدن العربية من المحيط الى الخليج. عنوان يجمع ما بين "حيفا" وغيرها من مدننا العربية الجريحة.

                                                                                                                                                               

 

 

ناجي الخطيب

 

 

                   

 



[1] Thomas de Aquino, Somme théologique de Saint Thomas d'Aquin – Texte intégral 1.

https://books.google.fr/books?id=S_e_kAkeu1cC&pg=PT2738&lpg=PT2738&dq=saint+thomas+d%27aquin+la+vertu+autrui&source=bl&ots=QkMUC8q47d&sig=fTSaODT3Gd2kOGGycoPl2bBZ-cU&hl=en&sa=X&ved=0CE4Q6AEwBmoVChMI_Iq9lOPuxwIVSusaCh0CZgYY#v=onepage&q=saint%20thomas%20d'aquin%20la%20vertu%20autrui&f=false

                                                                                                     

 

(über-ich/ over-I/surmoi/ superego( بالمفهوم الفرويدي  [2]

 

[3] André Lalande 3

« Vocabulaire Technique et Critique de la Philosophie »

PUF, Paris, 1926 :1201

 

 Montesquieu [4]

« Esprit de la Loi »

http://www.ecole-alsacienne.org/CDI/pdf/1400/14055_MONT.pdf

 

 

Immanuel Kant[5]

« Métaphysique des mœurs »

http://www.ac-grenoble.fr/PhiloSophie/file/kant_metaphysique_des_moeurs.pdf

 

[6] « Dictionnaire Étymologique Française » 6

PUF, PARIS, 1975 :670

 

 

Antoinette Fouque[7]

« Il y a deux sexes »

Gallimard ; Paris, 2004)

 

 

 حسين مروة[8]

"النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، دار الفارابي، بيروت، الجزء الأول: 901

 

 

 9 حسين مروة

 "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، دار الفارابي، بيروت، الجزء الثاني: 501

 

 10 المرجع السابق، الجزء الثاني: 533

 

 

(**) The Gender Issues:An-Najah U.(in Arabic)

"الجندر" أو "النوع الإجتماعي" المُعَولَم

دراسة نقدية لقضايا الجندر والمرأة

 الحقل العياني: جامعة النجاح الوطنية

نابلس/فلسطين/2011

د. ناجي الخطيب


 

الناشر : Omagate

 

http://omagate.com/index.php?rt=product/product&path=36&product_id=127

 "The Gender and the Globalization of Concepts-

Deconstructive Analysis,

 Field Study: An-Najah National University, Nablus, Palestine",

Dr. Naji El Khatib

Copyright © 2015 by Omagate Publishing

"Library of Congress" Control Number: 2015919817

ISBN: 978-1519587862

This book was printed in USA. Omagate.com

805 Bomar St.

Houston, TX 77006

USA

To purchase the book online:

http://omagate.com/index.php?rt=product/product&path=36&product_id=127

Price : 20 $

 

Last Updated on Sunday, 12 June 2016 14:48
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962