Elias Abou Shabakah PDF Print E-mail
User Rating: / 1
PoorBest 
Written by Abbas Baydoun   
Saturday, 08 January 2011 22:05

http://www.assafir.com/WeeklyArticle.aspx?EditionId=1739&WeeklyArticleId=75254&ChannelId=9936&Author=عباس-بيضون

 

 كتب جبران شيئاً بين النثر والشعر، بين الحكاية والعقيدة، بين الفكر والأدب بين الفلسفة والدين. لم ير نفسه مجرد

 كاتب، أديب أو شاعر. ولم يكتب مجرد الأدب. فبالتأكيد كان يحس أن كتابته ستوقظ أرواحاً وتفضح أكاذيب وتهز قواعد راسخة. مع ذلك لم يكن جبران مجرد مصلح. لم يحارب الهيمنة الكنسية فحسب ولكنه آمن بالتقمص دون أن ينكر المسيح. وأضاف ابن عربي ونيتشه إلى أنبيائه، وحين كتب «النبي» و«حديقة النبي» كان يعني نفسه، لقد انتدب نفسه لديانة جديدة، وهكذا كان عمله أيضاً نقداً للدين القديم: مؤسسة وإلى حد ما عقيدة. لقد كان جبران نبياً. لكن ميخائيل نعيمة أيضاً كان ذلك في مرداد، وأحسب أن أمين الريحاني الأقل صوفية كانه تقريباً في خالد. ليس الثلاثة وحدهم فثمة كثر عرض كل منهم «نبيه» فيما بعد. إيليا ابو ماضي عرض بدوره ديانة جديدة بسيطة ومادية. والشاعر القروي انتقد كجبران في ما بعد الضعف المسيحي، كان هؤلاء جميعاً مسيحيين مهاجرين من لبنان. البلد العربي الوحيد الذي يسعنا أن نتحدث فيه عن وجه مسيحي للثقافة، لا بسبب الصدارة المسيحية الطويلة للسياسة والاقتصاد والثقافة في لبنان فحسب، ولكن أيضا بسبب التربية المسيحية للغالبية الساحقة من الأدباء اللبنانيين. فإلى أمد ليس بعيداً كان الكتاب اللبنانيين مسيحيين بنسبة كبيرة جدا وهؤلاء وجدوا بالطبع أمامهم تراثاً عربياً موسوماً بالإسلام، لكنهم كانوا أكثر حرية في التفاعل معه. إذ لم يتخذ هذا التفاعل طابعاً إلزاميا ولم يخضع لقواعد مشددة. لم يكونوا محكومين بمؤسسة حارسة كالأزهر مثلاً، ولم يرثوا دليلاً إسلامياً لقراءة القرآن والتراث الإسلامي. فإن القرآن شأنه في ذلك شأن نهج البلاغة (المنسوب للإمام علي مثال الإسلام الشيعي) كان نصاً بالنسبة لهم لا كلاماً إلهيا لا يجارى. وكان في وسعهم دون حرج أن ينهلوا من تراث الهرطقة الإسلامي «التصوف والباطنية» وأن يرجعوا إلى نثر غنوصي مليء بالأسرار والرموز والشاعرية. لم يتعرض هؤلاء للإسلام مباشرة وإن ساهموا في تمجيد إسلام مثالي صوفي وشيعي وباطني. لكنهم انتقدوا الكنيسة بجرأة وبدون أن ينكروا المسيحية جهراً، جنحوا إلى ديانة جديدة، أو إلحاد أو نقد عقلاني.


على الضفة الإسلامية كان نقد المؤسسة ونقد الدين نفسه قائمين وعنيفين جذريين في أحيان لكن أياً من هؤلاء النقاد لم يعتبر نفسه نبياً ولم يدع إلى رسالة أخرى. وأكثرهم تطرفاً اتخذ له مرجعاً في التراث الإسلامي نفسه الذي يعج بالمحتجين والمفكرين والمنتقدين. الزهاوي اتخذ المعري إماماً وطه حسين اقترب من الجاحظ. أما جبران والمهجريون اللبنانيون فأتاح لهم المهجر والنشأة المسيحية أن يضيفوا إلى أسماء في التراث العربي مراجع غربية، كل هذا يجعلنا نفكر أن الأدب اللبناني كان داخل المحيط العربي الإسلامي أدباً عربياً غير إسلامي، أو أنه أدب لا يقع تماماً في الإطار والسجال الإسلاميين، ليست مسألة الديانة الجديدة وحدها هي الفارق، ثمة في أدب جبران شاعرية غير قرآنية. ليست الجزالة ركناً فيها بالضرورة واللغة المجازية فيها غير ملحمية ولا مدوية، قد تكون أقرب إلى الإنجيل، لكنها نثر في تموجه وضبابيته لا ينسب إلا داخل يعج بالأسرار والرؤى والأحلام. انها لغة داخلية إذا جاز القول أي لغة قلما يمكن أن تغدو بوقا عاماً، يجب أن نسمي هنا نثر جبران الإصلاحي الذي لم يكن أفضل ما كتبه ونفكر أكثر بنصوص غايتها كرسوم جبران النفاذ إلى النفس العارية الأثيرية، لغة هوائية متموجة ملونة منغمة وموقعة. هذه هي اللغة التي لم تكن مع ذلك خاصة وأقلوية للغاية، والتي عبرت بأسلوب صالح للتعميم مسل وممتع ومدهش أحيانا عن هموم روحانية بالدرجة الأولى ودينية وحررت هذه الكتابة الهموم من اللغة الدينية التي باتت خشبية ومحنطة وأعطتها مدى آخر وروحاً ثانية.
ليست لغة جبران الروحانية هي المثال الوحيد، فثمة في مكان آخر نثر دنيوي. يفوح حسية ومزاحاً ونقداً عقلانياً واحتفاء بالواقع كذلك الذي نجده عند مارون عبود. وهذا أدب بلا مسحة دينية ونقد الدين فيه هو إلى حد نقد للغيب هو أيضاً أدب إنساني مسيحه كمسيح رينان طفل ورجل وبشر قبل كل شيء. لكن ثمة أدباً ينحت أكثر مما يروي ويحول اللغة إلى كتلة وإلى حجم وفراغ ومعمار أولاً، أدب يحي جمالاً سيمترياً ورياضياً وقيما بطولية، وعباده للشكل والإيقاع وأسلبة مفرطة. أدب هو بدون أن يدري أو يدعي وثني إلى حد ما، يمكننا أن ندرج في هذا الاتجاه أمين نخله وسعيد عقل، هكذا في التحرر من النص القرآني النسبي ومباراة القرآن شق الأدباء المسيحيون في اللغة العربية طرقاً متعددة لم يكن الياس أبو شبكة بعيداً عنها.
الوسواس لا الزيارة
أين نضع الياس أبو شبكة، لا يبدو عليه أنه من السلالة الجبرانية ولا من المتأثرين بالأدب المهجري فليس المثال النبوي مثاله ولا المغامرة الصوفية والا الاستبطان الروحي ثم انه في الغالب أخذ على الأدب المهجري رخاوة لغوية ورخاوة عاطفية، فشعر أبي شبكة شعر عاطفة صراعية ولغة صدامية إذا جاز القول. لم كانت الرومانطيقية هي كلمة السر في الشعر العربي يومذاك لكنها رومانطيقيات، وهي (أي الرومانطيقية) في غالب الأحيان إسم لأشياء كثيرة ومختلفة. لكن يمكننا أن نتحدث عن عودة لشعر أقل متانة وفخامة. لشعر المقطعات السهلة والخفيفة والمعدة للغناء والغزيرة بالانشاء العاطفي. شعر وجد دائماً في الشعر العربي إلى جانب البلاطي الحماسي الحربي الجزل والمتين، وجد كشعر حب وخمر ويوميات بسيطة. وباسم الرومانطيقية استعيد شعر مباشر يركز على معان بسيطة ولا يعبأ كثيراً بالنسيج اللغوي بقدر ما يهتم بالرسالة العاطفية. في الشعر اللبناني كان هناك إلى جانب أبو شبكة شاعر متين نحات منمنم لكنه شكلاني وبارد هو أمين نخله، وشاعر عاطفي لا يملك دائماً شكله هو صلاح لبكي.
الإثنان بالتأكيد في نظمهما أقل شاعرية من جبران في نثره. فشعرهما وشعر بقية معاصريهما قصير المدى ضئيل المسرح محدود المغامرة. نمنمة لطيفة لكنها متكررة أو توسل عاطفي بلا عمق. ولنقل أننا حيال شعر غير طموح لأن يتوسع في عالمه وتجربته وقاموسه. لم يكن هذا شأن أبو شبكة الذي لم يبال كثيراً باللغة الغيبية والسياحة الروحية لجبران، فأبو شبكة ليس من هؤلاء الذين يطمئنون إلى الغموض ولا التهاويم ولا الاستسلام الكلي للإيقاع والموسيقى الصوتية، هو على الأرجح، رغم دينية تجربته وباطنيتها أميل إلى الوضوح فالعذاب لا يكون مبهما وضبابياً والألم صريح وواضح كجرح، لم يهتم أبو شبكة بالتأكيد برمزية طبعت الأدب اللبناني منذ جبران. لم يكن جبراني الطبع ولا اللغة ولا المخيلة. هذا الفارق يحسب بالتأكيد في أدب كان ـ على نحو أو آخر ـ تحت السطوة الجبرانية، لنقل أن أبو شبكة لم يعان ليتحرر من هذه السطوة. لم يكن مزاجه مزاج استبطان ولا غنوصية ولا سياحة روحية. ثم انه كان الأول الذي يحمل شعره بوضوح أثر تمعنه في الشعر الفرنسي: راسين، الفرد دوفيني، بودلير. ثلاثة أحسب أنهم أثروا في شعر أبو شبكة. لذلك عمر بوسواس ديني ومخيلة توراتية وعالم شيطاني وجحيمي. لم يكن في الرحلة الروحية ولكن في المعاناة والعذاب الروحيين، لم يكن في الدين كاستبطان وحج ولكن كوسواس وخوف وصراع داخلي، لم يكن المجنون ولا النبي مثاله وشخصه، ولكن الآثم الخاطئ المكسور تحت وطأة شهواته، الزاني الموصوم. لم تسكنه الملائكة ولكن الشياطين، ولنقل أن أبو شبكة الذي لم يحتفل بضبابية جبران، اثر عليها، لا الوضوح فحسب، ولكن المباشرة فأبو شبكة شاعر معان اولاً، لكنها معان لا تجعلها مباشرتها بسيطة ولا سطحية انها معان منغرسة في تجربة وسواسية صراعية عميقة إلى حد كبير.
لذا لا تعني تسمية الأشياء بأسمائها عند أبو شبكة الفراغ منها والاكتفاء بلفظها، فحين يسمى أبو شبكة الاثم والشهوة والحب فليس لكي يضع حداً ولكن يبدأ نبشاً وحفراً وتوغلاً داخل العذاب الشخصي وداخل الخوف والتهاويل والظلام المسكون بالشياطين، أي انه يغوص في معان مفتوحة وفي أسماء مفتوحة ووساوس مفتوحة. شعر أبو شبكة لذلك شعر أرضي رغم عالمه الديني، فالمغامرة على الأرض لا في السماء، والقلق قلق الكائن البشري والصراع داخل نفسه، ولنقل بكلمة أبسط ان الصراع داخل نفسه وجسده. الجسد هو الذي يصارع، ويصارع والصراع يدور بلغة الجسد ولغة الرغبة. لغة أبو شبكة ليست شبحية ولا تهويمية، انها مسنونة حادة مجسمة إلى حد بعيد، لغة لها إيقاع الارتطام الجسدي فهي هكذا لغة جسدية، بل مبالغة في جسديتها. إذ الشهوة هي ايضا في الدم وهي الوجه المدمى المنخور والجسد المتساقط. مخيلة أبو شبكة في أفصل شعره جسدية سدومية، ولغته كذلك عصبية إلى حد بعيد. ففي تقطعها توتر واضح وفي سيولتها هياج واضح، بل هي في أعلى تخييلها هيسترية هاذية. لغة كهذه مبرية حادة هي غير لغة جبران التهويمية الضبابية، وهي بدون شك غير لغة النوستالجيا المهجرية الرقيقة المنغمة. شعر أبو شبكة من هذه الناحية تهييج اللغة، أو تقصيب لها، ليس أبو شبكة نحاتاً ولا منمنماً ولا مزخرفاً بالطبع، فلغته هجومية وعنيفة وقاسية، إذ مهما كان الأمر، فإن هذه العوالم الحجمية ليست بدون قسوة، بل ليست بدون قدر كبير من الاشمئزاز والنفور والقرف (بالمعنى الجسدي للكلمة) وهذا بطبيعة الحال يفرده، تماماً فشعر معاصريه لم يكن قاسياً بل بدا وكأن القسوة منافية للشعر أو أن الشعر مرادف للطف والأنس والإلفة وأبو شبكة يعرف كيف يلعن ويرجم ويزدري، بل يعرف كيف يكره نفسه وجسده وشهوته بالدرجة الأولى. انه فعل العقاب والتشهير. لكنه، وربما بسبب ذلك، يرق أكثر أو تتميز رقته أكثر فهي رقة التائب الذي يغتنم لحظة هناءة وطمأنيته، بل الرقة التي تنتزع من أدار الغضب والقسوة، كذلك يحسن أن يعيّد، ان يرفع صوته بالشكر والتهليل، وكما يعرف الفجور يعرف أيضاً الزفاف والخلاص. الريف غالباً هو أرض الخلاص والسلام فالإثم يقترن بالمدن الموبؤة. هذه هي الأماكن المدنسة الفاجرة. أيا كان موضوع شعره فأبو شبكة يعرف القسوة وقسوته وقسوة أبو شبكة أيضا فعل لغوي فنحن نراها بالتأكيد في لغة مسننة ضارية جسدية حتى الافراط صدامية بل وهجومية واضحة ومحددة إن لم نقل دقيقة، هنا ليست الأصوات أسرع من المعاني ولا الصورة أسرع من الفكرة. ثمة أفكار لنقل ثمة أفكار لها طبيعة الوساوس. أفكار هوسية هيستيرية، وعلى هذا فهي أفكار متوترة مرضية. وتخرج كانفعالات وعذابات ورؤى مخيفة.
أبو شبكة يعرف أن يعيّد، بل هو فريد في تميزه للمقامات والأحوال. ثمة الخطيئة وثمة التوبة. ثمة الإثم وثمة الزفاف، ثمة المدينة وثمة الريف، ثمة العقاب وثمة الخلاص، دراميته هذه واضحة بل هو في الشعر العربي يومذاك فريد في دراميته. شعره هو الكائن وسط عذاباته ونزاعه الداخلي وسقوطه في النهاية تحت وطأة صراعه الداخلي، فحين يخاطب أبو شبكة أميرة الشهوة الحمراء إن دمي، من نسلك الهادم والمهدوم فاحترمي أو يا ابنة الاثم هذه شفتايا.
فهو يدير الحوار إلى داخله وفي داخله تمر فصول الخوف والقلق والعذاب والنعمة فصلاً فصلاً.
من هو الياس أبو شبكة
من هو الياس أبو شبكة، إذا عدنا إلى سيرته نجدها أيضا خاصة، ومفارقة فإن يولد في الولايات المتحدة (1903) وان يشتغل والده في الخرطوم ويقتل فيها على أيدي قطاع طرق.
ليست مألوفة ولا عادية. كتب أبو شبكة بالعربية والفرنسية ورغم إتقان سابقيه اللبنانيين للفرنسية إلا أنهم تشبعوا بالتراث العربي والقصيدة العربية فلم تتعد صلتهم بالفرنسية غالباً التأثر البعيد والاقتباس. وأبو شبكة من الأوائل الذين وضعوا هذا التأثير في صلب عملهم الشعري. وربما كان الأوائل الذين قرنوا الشعر برأي بالشعر وقراءة نقدية لمعاصريه. فقد انتقد ما اعتبره تقليدية الأخطل لكنه أيضاً انتقد فاليريه سعيد عقل. وفي الحالين كان الشعر بالنسبة له تعبيراً حراً وداخلياً أكثر مما هو صناعة أو معمار. في هذا جعل أبو شبكة عن الشعر رؤية اختيارا ثقافياً ونقداً للشعر. كما جعل الشاعر ناقداً وداعية، قد يكون أبو شبكة في ذلك كما سعيد عقل من بعده سلفا صالحاً للأجيال الشعرية الآتية في اعتبار الشعر مسؤولية ثقافية أيضا، أبو شبكة كان خاصاً ايضا في طبعه وسلوكه. أخّره الفقر عن زواج خطيبته عشر سنوات لكنه مع ذلك خاض في مغامرات غرامية فبعضها علني وتجرأ على ان يعلق صورة عشيقة مصرية في صدر بيته الزوجي. حدة وقلق وفقر عقيم. وقدرة على النقد والشجار تجاوزت الشعر إلى السياسة وتقلب بين يسارية مبكرة ومسيحية متطهرة. وبالتأكيد لم تكن نزعاته الأخرى أقل التباساً: محافظة وتحرر، عروبوية لا تمنع حساسية لبنانية وطائفية أحياناً، أحس اللبنانيون والعرب بسرعة بالياس أبو شبكة الذي توفي في الرابعة والأربعين والأرجح أن صداه كان قوياً في العراق الشعري بوجه خاص واليوم يبدو أن الياس أبو شبكة بعد 60 سنة ونيف على وفاته قد نفذ من الزحام. 

Last Updated on Sunday, 19 June 2011 15:52
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962