Sommaire

Espace adhérent

Ainsi parlait mon père Hind Obiedin هكذا قال أبي PDF Print E-mail
User Rating: / 0
PoorBest 
Written by Hind Obiedin   
Sunday, 11 December 2011 11:44
 

 

هكذاقالأبي

هند نوري عبيدين

علمني المرحوم أبي والذي أمضى عمره متوحداً مع أرضه، منغرساً في طينها، متشحاً برائحة الزرع وعطر الورد ما معنى أن أكون سورية. قال أبي: الطين هو الأرض، والأرض هي الوطن، والوطن هو الإنسان، والإنسان مخلوق من طين سوري عجنته يد الخالق فمزجت فيه الدهشة والكلام فسال لغة سورية..

كان أبي عاشقاً متيماً لأرضه وترابه حتى التغرب، وشوشني مرة وقال: "بنيتي الوطن قماط الوليد وثوب العرس وملاءة الكفن، وعندما تكوني سورية ارفعي رأسك عالياً وتيهي دلالاً وتبختري"..

قال أبي: هذه "سراقب" مدينتك السورية، انحنى قليلاً، لمّ حفنة تراب تقدم مني وقال: أغمضي عينيك بنيتي وأسلمي ذاتك لرائحة الطين دعيها تنفذ إلى كل مسامات ذاكرتك.. ومنذ ذاك الحين أسلمت نفسي لطين سراقب فهِمْتُ به عشقاً سرمدياً. أذكر أني وهذا الطين تقاذفنا كثيراً فبنيت منه قصوري وممالكي، وكان لأناملي بصمات على جدرانه، ولأقدامي آثار وقع على أرضه. تغلغلت سراقب في داخلي، وكأنني عاشقة لا يروي ظمأها إلى معشوقها شيء، في فضاء من الحب واللانهايات الأبدية. كانت العلاقة بيني وبين سراقب عصيّة على التفسير، هي علاقة أبعد مما تراه العين أو تتخيّله، هي علاقة ترتبط بالذكرى والذاكرة والرغبة المستمرة والصيرورة والحلم المتصاعد، لذلك ظلّت تسكن مخيلتي، كنص شامل أقرب إلى سبيكة ذهبية وقصيدة متواصلة الإبداع ولغة غير قابلة للانقطاع.

الحوار بيني وبين سراقب يتواصل منذ مولدي بوتيرة مستمرة تارة ومنقطعة تارة أخرى، إلا أني كنت دوماً أتحدث مع سراقب التي أعرفها بصفة الحضور على الرغم من الغياب، كنت أريدها دائماً حاضرة، حتى لو كانت على صورة برقٍ أو شعاعٍ.

في سراقب علّمني أبي كيف أوالف وأواخي بين الحجر والشجر، الماء والهواء، وبين المادة والخيال، وبين الشعر والواقع، فصرت أشعر أنني أولد فيها من جديد، ففي كل يوم كانت تعيد خلقي فأنا موجودة بفضلها، وما زلت مرتبطة بها كما لو أن حبلي السري ما زال مربوطاً بها.

لم أتمكن يوماً من إغلاق باب "سراقب" في فكري فقد ظلّت مشرّعة تدخلها الريح من كل الاتجاهات، لم أنظر إليها يوماً كماضي بقدر ما هي مستقبل على الرغم من التباس الحاضر وتشوش الرؤى وتلبد الغيوم ما بين استعصاء وتمرد.

هذه المدينة تُعيدُني إلى طفولتي، وما تزال تجرّني إلى الأمام وتحركني باتجاه القادم، المفاجئ، الجديد، لم انظر إليها كمدينة أو مكان أو جغرافيا، لكنني أراها أفقاً يعيد خلق نفسه باستمرار.

بيني وبين "سراقب" يحدث نوع من الفراغ أحياناً، أو قلْ مسافة لا أحاول ردمها، إذ أنني أشعر برغبة غامضة على إبقائها، وهي رغبة ناجمة في عدم التطابق أو التماهي، فالمسافة تتجسد أحياناً بين الإنسان وذاته، وإذا ما التقت ذات الإنسان مع روحه تتحقق تلك الكينونة الرمزية الخاصة، ليكون الإنسان هو ذاته التي لا تشبه شيئاً آخر..

فما زلت أذكر بيادرنا والريح الصيفية تلاعبها وتحمل معها حبات القش المتناثرة، يلاعبني القش فأركض خلفه فيأخذني من درب إلى درب وأتيه معه في الطرقات. وكم أحببت قادوس(1) عمتي عند الجب ينضح الماء. آه ما أروع صوته الناي يحن ويعانق هناهن الصبايا في الحي ترن..

واليوم سراقبي أتيتها والشوق يسبقني حين فر الدمع من عيني، آه ما أصعب خنق الدمع في الحدقات. "سراقب" حبيبتي تناوشتها أيدي آثمة استبدلت خضابها بالدماء.. بربكم ردوا عليَّ، أجيبوني: من أنتم يا من أيقظ أطفالي مبكراً ليصرخوا فزعين عالياً ويصبوا عليكم اللعنات؟!! من أنتم يا من سرقتم مني حلو الذكريات؟! لماذا جعلتم الخوف يعبث في قلوبنا كطنين نحلة عبث بها الضياع؟! بربكم قولوا لي من أنتم يا من أكلتم صباحاً خبز أمي ولعنتم طحين أبي في المساء؟!..

هل ذاق أحد منكم يوماً خبز تنور أمي المشبع برائحة التراب؟! ..

إني أحدثك لترى

فإن رأيت

فلا حديث!(2)

ــــــــــــــــــــــ

  1. القادوس: دلو الماء باللهجة المحلية..

  2. من أشعار المتصوف الكبير النفّري..

Last Updated on Thursday, 15 January 2015 16:51
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962