Espace adhérent

الناي السحري أو أسرار إيزيس إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة Le Réenchantement: Modernité et postmodernité PDF Print E-mail
User Rating: / 4
PoorBest 
Written by Osama Khalil   
Monday, 01 December 2014 17:34

أسامة خليل

 

بين (انحسار السحر عن العالم) و (عودة السحر إلى العالم) ؟

في هذه الدراسة عرض لإشكالية الدين والسياسة كما يطرحها الفيلسوف الفرنسي مارسيل جوشيه Marcel Gauchet  في كتابه المرجعي ‫(انحسار السحر عن العالم‫Le désenchantement du monde  )، يليه عرض وتحليل لمشهد جماعات وقبائليات ما بعد الحداثة لدى عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل مافيزولي Michel maffesoli  في كتابه ‫(عودة السحر إلى العالم‫ Le réenchantement du monde).

ونختتم هذه الدراسة تحت عنوان : (أبي فوق الشجرة وإبني تحت الشجرة : أسرار العقل وجدلية الحداثة) بقراءة ذاتية لبعض مشاهد الحداثة وما بعد الحداثة، نخلص منها إلى مشروع دراسة مقبلة نتناول في شقها النظري : موقع علم الاجتماع على خريطة العلوم، ومشروعية الانتقال من قوانين الرياضة والفيزياء والكيمياء إلى قوانين العمران البشري. ونتابع في شقها الوصفي، قراءة مشاهد استلهام بعض نظريات هذه العلوم - مثل نظريات الأنساق التناثرية، واللاحتمية، والكاؤس أو الهباء والمرج - في صياغة نظريات مثل نظرية الفوضى الخلاقة، وتطبيقها على ظواهر التغير الاجتماعي وفي عمليات التغيير السياسي.

ونحن نأمل أن تساهم مثل هذه الدراسة وغيرها في مشروع تشخيص وإحياء الثقافة العربية، إذا ما تمكنا من قراءة مشاهد التاريخ العام وتنظيم تداعيات الخاطر وتوسيع دوائر النظر لتشمل مشاهد التآخذ الحي الجاري بين البنية الدينية والبنية السياسية في المجتمعات العربية.

 

 

۱- طرح إشكالية الحداثة

أو انحسار السحر عن العالم

 

يعود مارسيل جوشيه في كتابه المرجعي الشهير ‫(انحسار السحر عن العالم‫) إلى الاتصال بتراث رواد علم الاجتماع مثل دوركايم Émile Durkheim وماكس فيبر Max Weber بعد عقود كان فيها الدين ميداناً شبه مهمل في دراسة المجتمعات الغربية‫.وينطلق المؤلف من فكرة أن الظاهرة الدينية ‫(التي لا يمكن ردها ببساطة إلى ما يسمى بالبنية الفوقية‫) ظاهرة تصوغ بالفعل تاريخ الواقع الاجتماعي ويمتد أثرها إلى أبعاد، قد لا نفكر في رصدها، في أعماق مجتمعات غربية لا يمكننا تفسير خصوصيتها إلا بحقيقة خروجها عن المنظومة الدينية للعالم القديم.

 

بهذا المعنى يكون غياب الدين كعامل مؤثر في تحليل مسيرة تطور المجتمعات الغربية، هو ما يعنيه مارسيل جوشيه باستخدامه للتعبير المجازي ‫(انحسار السحر عن العالم‫) الذي يستعيره من تحليلات ماكس فيبر في كتابه المرجعي الشهير : ‫ (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية L'Éthique protestante et l'esprit du capitalisme).

 

يتضمن استخدام ماكس فيبر لهذا التعبير فكرةً تُسلم بوجود عالم مثالي مسحور أو عالم سحري أفضل، سابق لعالم الحداثة‫. وكان يقصد بذلك، توجيه النقد للعلوم الحديثة التي أقصت البعد الإلهي ورفضت نظرية الخلق الإلهي للعالم‫.

أما مارسيل جوشيه فهو يتبنى اتجاهاً مخالفاً : يقطع بالقول بانحسار مكانة وسلطة عالم الغيب على العالم الدنيوي. ويضيف ‫(متمثلاً أدبيات الثمانينيات الليبرالية المعادية للشيوعية) الحكم باندحار الإيديولوجيات الشمولية التي أعادت، فيما يرى، إنتاج مكانة  ووظائف البنية الدينية في رداء علماني‫.

 

يقدم جوشيه في هذا الكتاب دراسة سياسية اجتماعية للدين في الوقت الذي يقدم فيه دراسة دينية للتاريخ السياسي والاجتماعي، مما يطرح إشكالية وظيفة عالم الاجتماع حين يسلم بقدرة الباحث علي الدراسة العلمية للدين. لكن هذا لا ينفي قوة ودقة وصرامة تحليل جوشيه لما يسميه بأفول الدين ومرادفاته الإيديولوجية الشمولية.

فهو يتعامل مع الظاهرة الدينية بمنهجية وضعية وصفية وبتحليل معرفي للتاريخ، لينتهي إلي أطروحة ‫: أن المسيحية كانت تحمل في داخلها بذور ظاهرة الخروج عن الدين، التي هي السمة المميزة للعالم الحديث. لكنه يستدرك قائلاً إن الخروج عن الدين لا يعني الخروج عن البعد الديني وإنما يعني فحسب، وبدقة، نهاية تلك الحالة الأولى التي كان الدين يهيمن فيها ويعطي التفسير والغاية والمعنى لكل مظاهر العيش معاً، ويؤسس تراتبية الموجودات في الطبيعة والأفراد في المجتمع‫.

 

يقرأ جوشيه تاريخ الظاهرة الدينية باعتباره مراحل متتالية من التغيرات التلقائية :

فالبنية البكر للظاهرة الدينية كانت تتسم في منشئها بالربط الوثيق والشامل بين الآلهة والعالم ‫: فالآلهة تسكن عناصر الوجود وتتوالد وتتشاجر والإنسان لا يملك غير الخضوع لتقلبات الطبيعة والتحايل من أجل البقاء وسط أخطارها، دون أن يمتلك أصول فهمها وتفسيرها‫.

وبظهور فكرة الإله الواحد الخالق للكون ، المتعال غير المحايث لعناصر وقوى الطبيعة ، تبدأ مرحلة تاريخية جديدة تسمح بوجود مسافة انطولوجية للنظر بين الله والطبيعة ، وتقدم للعقل الإنساني عبر ظاهرة الوحي، تفسيراً للوجود ورؤية ثابتة آمنة لنظامه.

ثم يعين جوشيه العصر الممتد بين القرن الثامن والقرن الثاني قبل الميلاد باعتباره مرحلة التحول الجذري في الظاهرة الدينية وذلك نتيجة لتزامن ظهور نواة فكرة الدولة (في مناطق جغرافية متوازية من الصين إلى الشرق الأوسط وبلاد الإغريق‫).

 

هذا التحول الجذري الذي يفصل بين الملكوت الإلهي وناموسه الثابت وبين تقلبات الطبيعة والبشر، والذي يتزامن مع ظهور اللبنة الأولى لفكرة الدولة، هو مفتاح الخصائص الثلاث لهذه المرحلة التاريخية الجديدة التي تتلخص في خلق مسافة ما للعقل ‫تسمح للإنسان بما يلي :  

أولاً : التفكير في عملية الخلق أو علة الوجود‫.    

ثانياً : التفكير في علاقته بالطبيعة‫.

ثالثاً : التفكير في علاقته بالمجتمع‫.

 

يقول جوشيه إن هذه السمات الثلاث امتدت تاريخياً عبر الإضافة المحورية المسيحية لتحكم رؤية الغرب للعالم. ويضيف أنه يمكننا صياغة هذه السمات بلغة العصر الحديث فيما يلي :

أولاً : العقلانية.

ثانياً : امتلاك الإنسان لقوانين الطبيعة وتحكمه في عناصرها.

ثالثاً : الحرية الفردية.

 

يرى جوشيه أن المسيحية أضافت بشخصية السيد المسيح ‫(كلمة الله في جسد ابن مريم‫) رمزاً وسيطاً بين السماء والأرض، كان له دور هام في تفعيل دور الإنسان وتوجيه تحولات التاريخ حتى العصر الحديث‫.

فالإنسان - الذي تمكن في مرحلة سابقة على المسيحية، من معرفة علة الوجود ومنظومة الطبيعة والمجتمع - كان رهن الوحي الإلهي الذي يعطيه العلة والقانون.

ثم أتى شخص السيد المسيح ليعقد الصلة بين السماء والأرض في معادلة عجيبة تجمع بين العالمين المنفصلين وتحافظ على المسافة الأنطولوجية بينهما‫. فالسيد المسيح قائم على فضاء الفصل والربط بين العالمين، يوصي الإنسان بالمحبة ضد الحرب ويأمر بناموس السماء في مقابل قانون العالم.

فهو بمثابة مرآة أو صورة مثالية للإنسان الفرد الذي يجمع في شخصه بين الروح والجسد.

هذا التماهي الرمزي والإسقاط المتبادل (المسيح ابن الله والبشر أيضاً أبناء الله : أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك ...) كان من العوامل الموجهة لتحولات منظومة السمات الثلاث السابقة نحو ما انتهت إليه فيما يتعلق بمكانة الفرد ودوره في المجتمع الحديث.

كما أن فصل السيد المسيح بين السلطة السياسية وبين الكنيسة (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) انتهى إلى إقصاء الكنيسة عن إدارة شؤون العالم لتكتفي بإدارة  شؤون عالم السماء.

 

ففي أواخر القرن السادس عشر وفي مطالع القرن السابع عشر، شاهد العالم أهم تحول تاريخي تمثل في صياغة مستقبل البشرية على أسس عقلية وضعية ليبرالية بدلاً من تلك التي صاغت التصورات البشرية منذ بداية التاريخ.

 

في البدء كانت الآلهة وكان العالم كلاً محايثاً مختلطاً، وكان الإنسان خاضعاً لهول عالم لا يعرف علته، وكان هذا العالم حافلاً بالآيات : آيات الأوثان في عالم تسكنه الآلهة، وآيات الإله الواحد البعيد المتعال.

ثم أتى شخص السيد المسيح ليقرب بين ملكوت الله والعالم، وليعقد الصلة - بشكل جديد - بين التعالي والمحايثة.

وكما كانت (كلمة الله) في (جسد) المسيح ابن الإنسان، يكون الإنسان : الذي خلقه الله من تراب على صورته ونفخ فيه من روحه. هكذا يمتلك الإنسان ذاته كمرجعية حرة في تقرير مصيره.

 

ومع تبلور فكرة الفرد كشخص حر، تتبلور فكرة الدولة كشخصية اعتبارية، تنتقل إليها السيادة عن طريق الاختيار الحر لمجموع أفرادها. وبالتالي تكون الديمقراطية هي الثمرة النهائية لهذه التحولات التاريخية.

 

في أي عالم نعيش إذن ؟

 

إنه، فيما يرى مارسيل جوشيه، عالمٌ سياسي أقصى المرجعية الدينية لتصبح شأناً خاصاً بالفرد لا تلعب دوراً في الشأن العام.

عالم لا يحكمه نسق سابق ثابت، وإنما تصوغ حاضره ومستقبله المرجعية الحرة للإنسان الفرد والكيان السياسي الذى يمثله.

 

استعادة قبائل الماضي واستشراف قبائليات ما بعد الحداثة

 

لكن بعد نشوة الانتصار، يعود المجتمع البشري ليشهد جولة جديدة ضد دولة الحداثة في العقود الأخيرة من القرن العشرين وفي مطالع القرن الحادي والعشرين.

الدولة الليبرالية الحديثة التي ترتكز في مرجعيتها على مبدأ الاختيار والمشاركة الديمقراطية والتي تضمن لمواطنيها أمن الحاضر ويمن المستقبل، فقدت اليوم مصداقيتها - في سياق العولمة الجديدة - ولم تعد قادرة على حل المشاكل الاقتصادية وضمان الاستقرار الأمني والاجتماعي.

 

أصبحت الدولة تعمل على البقاء : أي الحفاظ على مكانتها بالرغم من تناقص قدراتها على أداء وظائفها.

لذا، نشاهد الدولة، من ناحية، تعمل على إلهاء عموم أفرادها عن المجال السياسي ونرى، من ناحية أخرى، ظاهرة غياب ثقة عموم الأفراد في رجال السياسة وفي الحقل السياسي برمته.

 

وكأننا اليوم أمام مشهد : أفول الدولة الليبرالية، واختلال معادلة الإحالة المتبادلة بين شخصية الفرد الحر القادر وبين شخصية الدولة الليبرالية القادرة.

 

وبافتقاد الذات الفردية لمرآتها السياسية ينحسر سحر الدولة الديمقراطية بعد انحسار سحر الدين وسحر الايديولوجيات الشمولية، لتبدأ جولة جديدة تتميز بسحر جديد تمارسه جماعات مدنية صغيرة تتوالد وتتكاثر. تلعب هذه الجماعات في مراحل أولى، دور الوسيط بين الأفراد والدولة لتؤدي عدداً من الوظائف التي يعجز السياسيون وتعجز السياسة عن أدائها.

ثم تتداخل فيما بعد أدوار هذه الجماعات، ليبزغ سحر جديد يمتد من الحركات الإيكولوجية (الحفاظ على البيئة) حتي جماعات الوشم وغلاة المشجعين في ميادين الفنون والرياضة، أو ليعود سحر قديم لجماعات (فكرية ومذهبية وعرقية ...) كانت كامنة أو محدودة الفعل والتمثيل في مجتمعات الحداثة.

 

 

 

۲ -  عودة السحر إلى العالم !

هل يستعيد عصر ما بعد الحداثة سحر العالم من جديد ؟

 

إذا كان الفيلسوف الفرنسي مارسيل جوشيه يعنى بدراسة الأنساق الكبرى وتحولاتها التاريخية، فإن عالم الاجتماع الفرنسي ميشيل مافيزولي يهتم بمراقبة التكوينات الصغرى - تكوينات الجماعات التقليدية، وتكوينات الجماعات الإفتراضية على شبكات التواصل الإلكترونية - ليستشرف إرهاصات هذه التكوينات الناشئة العابرة التي قد لا تكتمل أو لا تكون.

لا تخضع هذه التكوينات الجزيئية العابرة لتقنيات ومناهج البحث التقليدية. لذا يحاول مافيزولي الجمع بينها وتصنيفها تحت سمة إنفعالية مشتركة هي سمة (السَكرة الجماعية). حيث تتأكد الذات في سَورات الانفعال الجماعية وفي سَكرات التواصل والوصال في المحافل والكهوف وعبر الشبكات الإلكترونية.

يقول مافيزولي : علينا أن نتحسس نسيج الحياة الإنسانية المتفجرة، وأن نتحرى وجوه التكوين والفساد، شريطة أن نتخلّى عن الأحكام التقليدية المسبقة، وأن نتحلّى بعين المحب في مقاربتنا لتمرد هذه الثقافات العاطفية على النظم الشمولية القديمة والحديثة التي قادتنا نحو طريق مسدود.

 

 تضخّم قيم الحداثة وتجريف المعايير

 

يراقب مافيزولي مشهد تفكك العالم الحديث بعد أن أصابته أزمة تضخم انتهت إلى تجريف أنساقه الكبرى وتفريغ أخلاقياته، وظهور جماعات ذات معايير انتقائية تتمتع بسحر جديد هو : سحر الحياة هنا، والآن.

من هنا يأتي عنوان كتابه (عودة السحر إلى العالم) كإعلان حرب ضد حداثة عقلانية جففت الخيال وأزاحت الغيب والأساطير، واستبدلتها بسحر (العقل) الذي أبى إلا أن يفرض أنواره على الإنسانية رغماً عنها.

فالقبائل الجديدة ترفض عبادة العجل الذهبي (ديكتاتورية العقل)، والفرد فيها لم يعد إنسان البعد الواحد بل أصبح إنساناً متقلباً في عالم متغير : إنسان متعدد الأدوار، متعدد الأقنعة، متعدد الانفعالات، يجد ذاته في مرآة ذاتٍ جماعيةٍ يسميها مافيزولي بالذات الورائية أو (الذات وراء الذات).

يرجع مافيزولي إلى مفهوم العالم الحي لدى دلتاي  Wilhelm Diltheyوهوسرل  Edmond Husserl ومن بعدهما لدى هيدجرMartin    Heideggerالذي فرّغ هذا المفهوم من بعده السيكولوجي واستبدله بمفهوم أنطولوجي هو مفهوم الوجود فى العالم أو (الموجود ها هنا).

يستعيد مافيزولي هذا البعد النفسي - السيكولوجي – للحياة والوجود من جديد وكأنه نيتشه Friedrich Nietzsche أو كيركيجارد Søren Kierkegaard. ويقول إن العالم أو الوجود هو الحياة ذاتها، لا تسبقه ماهية فاعلة تشكلّه، فعالم الوجود الحي هو الذي يفرز مكوناته ويشكل تكويناته بين العائد والناشئ والآتي.

 

أخلاقيات العهد الناشئ (عهد ما بعد الحداثة)

 

- يعود مافيزولي إلى مصطلح (العهد) في التوراة (أليانس Alliance)، ويعيد استخدامه مع بعض التحوير (روليانس Reliance)، حيث يقارب بين كلمة (روليانس Reliance) وبين الأصل الاشتقاقي لكلمة الدين باللاتينية (Religare)، بمعاني (الربط والتحالف والصف والشعور بالأمان والطمأنينة).

- كما يستعيد مصطلح (الشركة Communion) الإنجيلي مع بعض التجديد في مضمونه.  فلم تعد الشركة هي شركة الروح القدس لجماعة الرب تحت قبة السماء، وإنما أصبحت شركة أفراد القبائل الجديدة (على سَكرةِ قلبٍ واحد) في عالم الحياة الواقعي وفي عالم الحياة الافتراضي (انترنت).

فمفهوم العالم هنا مفهوم تشكيلي حي، يعمل بآلية الشراكة ويتحرك بدافع المحبة.

 

الطرز الأولى

 

وحتى يمكننا متابعة مافيزولي ، ينبغي أن نشير إلى مفهوم الطرز الأولى الذي يستعيره من كارل جوستاف يونج Carl Gustave Jung    للضرورة المنهجية. فبدلاً من منهجية التحليل البنيوي التي لا تصلح للإمساك بحركة التكوينات الناشئة العابرة، يستعين مافيزولي لمعرفة هذه التكوينات ولتعريفها، بأسماء نمطية مؤشرة  تمَكنه من الوصول (بقدر المستطاع) إلى معرفة توصيفية وتصنيفية للظاهرة.

فهو يلجأ إلى ما يسمى بالطرز الأولى (أركي تيب Archétypes )، التي هي بمثابة أنماط من التوجهات الثابتة لدى البشر، تتشكل في أرحامها التكوينات الاجتماعية المختلفة وتتراوح أحوالها وتحولاتها بين الحضور والكمون في الزمان والمكان.

هناك (طراز أبوللوApollon ) ويشير إلى نسق الحداثة، وهناك (طراز ديونيسوسDionysos ) ويشير إلى تكوينات ما بعد الحداثة.

الطراز الأول يمثل التوجه العقلاني ويتميز بوجود مسافة فصل ووصل معرفية بين الذات والموضوع، أما الطراز الثاني فتغيب فيه هذه المسافة وتتحول الشركة إلى نوع من الانصهار العاطفي والتوحد الصوفي‫، فيه تعتنق الذات الفردية ذاكرة ورائية هي ذاكرة الجماعة.

ويعلق مافيزولي بإطراء شديد على هذه (الشركة) بقوله : إنها أداة الأنا لاستيعاب الآخر أو لاستقباله. إنها الشركة السحرية التي تحبذ اجتماع الأنا والآخر وتسمح باستيعاب الغريب في تركيبة جديدة، كما هو الحال في الجماعات الموسيقية والثقافية وغيرها من الجماعات المعاصرة.

إذن، فالطراز العام لما بعد الحداثة هو الطراز الديونيسي الذي تعمل فيه آلية التواصل الروحي والحسي معاً. أما المحرك النفسي لهذه الآلية فهو كما ذكرنا، عاطفة الحب التي تضفي على مجريات الواقع بعداً جمالياً يفوق هذا الواقع.

فإذا كانت الحداثة تربط منظومة العيش معاً بقانون العقل، فإن ما بعد الحداثة تربط منظومة العيش معاً بما يسميه ماكس شيلر Max Scheler بقانون الحب (Ordo amoris). 

 

ثنائية (الحب والكراهية) أو (الصديق والعدو)

 

غير أن الحب، كما يقول إمبادوقليسEmpédocle ، هو شقيق الكراهية، يستعين بها في عمليات الجمع والفصل بين المتشابه والمختلف من عناصر الوجود المتناثرة. فما هو نصيب الكراهية أو العداء في تكوينات ما بعد الحداثة ؟

ينطلق مافيزولي من مسلمة - ورثها عن أستاذه المفكر الفرنسي جوليان فروندJulien Freund  الشهير بدراساته في علم (الصراع الفكريLa polémologie ) - تقول إن (العنف هو أحد الثوابت الأنثروبولوجية).

وعليه فهو يؤسس دراسته على ما يسمى بخُطاطة (الحب والكراهية) أو نظرية (الصديق والعدو)، وفحواها ما يلي : إن ظواهر العالم الحي مشروطة بأنماط نفسية بعيدة الجذور، منها نمط أو باراديجم الأخوة الأعداء الذي يتكرر في الكثير من الملاحم والأساطير، والذي نجده في قصة قابيل وهابيل في أديان التوحيد الثلاثة.

فالصراع جوهر الأشياء، وهو القوة المحركة للتاريخ. هذه القوة - التي تجعل الإنسان كائناّ حياً -  تجمع بين المحبة والعداء وتجعل من الآخر الغريب عنصراً أساسياً في تشكيل الذات.

لذا حين يراقب الباحث مشاهد الحياة، عليه أن يحنو عليها وأن لا يسقط عليها ظلال مخاوفه وأحكامه المسبقة (كمفكر عقلاني أو كرجل دين رسمي أو كسياسي أو حتى كناقد من جيل الآباء لجيل الشباب الخ).

فالباحث في الميدان الاجتماعي ينبغي أن يكون كالمصور السينمائي الذي يفتح عدسة الكاميرا لاحتضان تفاصيل المشهد بكل ما تموج به من مشاعر الحب والعداء.

وبعد أن يتم التوثيق الكامل لمشاهد الحياة، سوف يأتي الوقت لنكتشف ولنفهم لماذا كان شباب هذا العصر يحتشدون، يلهون ويتشاجرون، ولماذا كانوا يصرفون أيامهم على الشبكات الالكترونية يغردون ويتلافظون.

وكما أنه لا شيء يأتي من العدم ولا شيء يذهب إلى العدم، فسوف نكتشف أيضاً، كيف أن هذه التكوينات والشبكات تستعيد في تغريداتها أيقونات وطوطمات الأولين، برسومٍ ومعانٍ تُشكل ثقافةً جديدةً لم تتضح معالمها بعد.

إن كلود ليفي شتراوس Claud Lévi-Strauss  الذي كان قد نعى الأمم الغابرة وتأسف على انقراض الشعوب البدائية في كتابه (مدارات حزينةTristes tropiques)، ربما يطمئن الآن في قبره بعد أن يقرأ تحليلات مافيزولي، فها هي أرحام الأولين تعود للمخاض بجنين عالم جديد.

 

أي عالم جديد ؟

 

إنه عالم ديموقريطس Démocrite ، تكويناته ذرات تتحرك تلقائياً، تتنافر وتتباعد، تتجاذب وتتآلف، تتخلق وتتلاشى.

عالم حي، يستعيد مفهوم (طبيعة الأشياءDe rerum natura ) لدى لوكريسيوس Lucrèce ، حيث تتشكل مكونات هذا العالم وتتحلل وفقاً لتحولات البيئة المحيطة.

عالم إبيقوري Epicurien المعايير، لا يعبأ بالآلهة، ويرفض سلطة الكنيسة الرسمية وسلطة الدولة السياسية. يرفض صورة (الأب) في مختلف رسومها، ولا يعترف بأقانيم التحليل النفسي الثلاثة : الهو والأنا والأنا الأعلى. فشباب اليوم لا يفكر في تبرير أفعاله، ويرفض معايير السواء والاتزان والانحراف.

 

يبقى أن المصور المتعاطف حين يسلط الضوء، يمكنه أن يؤثر على المشهد فيمحو الظلال وزوايا الظلام ؟

كما أن استقبال الآخر أو الغريب ليس هو المشهد الأوحد الجامع المانع الذي تقدمه هذه التكوينات الجديدة، فهناك أيضاً مشاهد الانقسام والتناثر والكراهية والعنف والإقصاء. ولا يكفي الاعتراف مع مافيزولي بأن جرعات من العنف تفيد في تجنب الانفجار وتساعد على الخلق والإبداع.

فأشكال العنف وجرعاته في الجماعات الموسيقية أو الرياضية أو الدينية أو السياسية ...، لا تخضع لتقييم عام دون اعتبار للنظم وللظروف والأحداث الخاصة بكل مجتمع على حدة.

 

 

 

۳ - أبي فوق الشجرة وإبني تحت الشجرة

أو أسرار العقل وجدلية الحداثة


اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿النور ۳٥﴾.

 

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأعراف ۲۰).

 

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى (فاطر ۱۳).

 

 

الآن، وبعد أن كتب أبناء الأمس في الستينيات بالدموع والبسمات قصة (أبي فوق الشجرة)، ها نحن - آباء اليوم -  ننظر عجباُ إلى مشاهد الأبناء. نود أن نصادقهم وأن نكتب معهم قصاصات (إبني تحت الشجرة).

المشهد قديم يتجدد جيلاً بعد جيل - بين سورة التمرد وسكرة التكريس وإرادة التمكين - وإن تغيرت المواقع وتبدلت الأدوار.

كان انتصار أبوللو في عصر الحداثة الغربية يعني تكريس معايير العقلانية في التعامل مع المظاهر الديونيسية دون القدرة على إقصائها.

لذا، توالت (تحت العصا السحرية لمايسترو الحداثة) توزيعات التداخل البوليفوني بين النور والظلمة وملاحم التآخذ والتجاذب بينهما.

 

المشهد الأول : الناي السحري La flûte enchantée

 

ها نحن نشاهد سحر معابد الحكمة المصرية القديمة ينساب بين خطوط الحداثة ومثلثاتها ودوائرها، ويتسرب إلى خباءات معابد البنائين في أوبرا موزارت Amadeus Mozart : الناي السحري (Die Zauberflöte - The magic flute) أو (أسرار إيزيس Les mystères d’Isis ).

 

فى هذه الأوبرا يستعين أماديوس Amadeus (Theophilus : حبيب الله)  بأرحام فرعونية وزرادشتية لنُصرة نخبة الأنوار البورجوازية الجديدة : (البنا)ؤون أو الماسونيون الأحرار Les francs maçons).

فبفضل الناي السحري وكرامات زاراسترو Sarastro كبير كهنة قرص الشمس، يتحقق انتصار نخبة الأنوار النبيلة التي يمثلها تامينوTamino  على قوى الشر. ويجتمع (الأمير) تامينو بمحبوبته (الأميرة) بامينا Pamina  ابنة ملكة الليل.

نلاحظ أن  (تا - مين و با - مين : ينتسبان للإله Min مين إله الخصوبة المصري) فالخصوبة الكونية والنمو الخلاق لشجرة الحياة (ورمزها ثالوث عنخ الذي يعاد رسمه على شكل شجرة لدى الجزويت Jésuites ولدى الماسونيين) يأتيان في حقيقة الأمر، من ثنائية الإيلاج المتجدد ما بين النور والظلام والتلاقح الدائم بين الذكورة والأنوثة...

ثم، وبسحر الكلارينيت والحوريات يتم تمكين هذه النخبة المصطفاة، باحتواء انفعالات العامة الشاردة واستئناسها بأساليب الحزم والرحمة في المعاملة.

بالعقاب والغفران، يتم ترويض غرائز بَبَغانو Papageno البهلوان، تابع بامينو. واسمه مشتق من الإسم العربي (ببغاء) لأنه يثرثر كثيراً بلا معنى ويكذب كما يتنفس. على العكس من النبيل بامينو الذي يفكر كثيراً ويلزم الصمت.

فبدافع الرغبة في الثواب، يتمكن بَبَغانو من التحكم بنقائصه والتزام الصراط المستقيم، لتكافئه الحوريات بامرأة أحلامه : بَبَغانية Papagena جميلة، يعاشرها ليلاً ونهاراً وينجب منها عدداً لا يحصى من (البَبَغانين) و (البَبَغانيات).

 

المشهد الثاني : كارمن Carmen

 

توازت مع مشاهد استعانة نخبة الحداثة العقلانية بأرحام الغابرين وأساطير الأولين، لتكريس إمامتها واستئناس العامة من المحبين والتابعين، مشاهد أخرى مخالفة، مثل مشاهد التمرد الذي يرفض القيود ولا يعرف للمروق بديلا.

فغانية أوبرا بيزيه  Georges Bizetو ميريميه  Prosper Mériméلا تنطق إلا عن الهوى. والهوى لا يعرف القانون ولا يعبأ بالخطيئة.

 

جُبلت كارمن من نور ونار، فائرة وافرة. تفوح بسحر الجنان القدسية : (بالعربية (الكرمل) وبالعبرية (ها كرم إل) بستان الله). وهي بالإنجليزية (Charm) وبالفرنسية (Charme).

 

نُحت اسمها من اللاتينية (ِCarmen) ويعني فيما يعني : النغم السحري، والغانية الفاتنة، والحورية الساحرة ربة الشعر والغناء والإغواء ... (والغاوون يتبعون السحر والشعر والغناء).

لسان حالها يخاطب هذه الأخيرة قائلاً : أنا الفاتنة وأنتِ الفتنة، اشتققت اسمي من اسمك فمن وصلك غويته ومن قطعك أغويته.

 

وها هي كارمن، بين الجندي والبلطجي ومصارع الثيران، ترقص وتلهو في بساتين إشبيلية، تثير وتتمنع وتغني حتى أنفاسها الأخيرة، أغنية الحب (Carmina amatoria) الوثني المقدس قائلة :

 

الحب طائر طليق

لا يروضه أحد ...

الحب سليل غانية غجرية

لا يعرف أبداً منطق القانون

إن لم تحببني .. فأنا أحبك

وإن أحببتك .. فاحذر فتنتي

 

المشهد الثالث : السيرة (الكومتية)

 

بدأ أوجست كومت Auguste Comte ، مؤسس الفلسفة الوضعية، مسيرته الفكرية عالِماً سان سيمونياً (نسبة إلى أستاذه Saint Simon )، وانتهت به الحال نبياً وكاهناً.

أعلن انتصار العلم الوضعي في نظرية المراحل التاريخية الثلاث : (المرحلة الدينية ثم المرحلة الميتافيزيقية ثم المرحلة الوضعية). إلا أنه أسس بعد ذلك، ديانة وضعية ونصب نفسه كبير قساوسة التنظيم الهرمي الذي يحكم معبدها.

 

من سحر العالِم (سان سيمون  Saint Simon)

إلى سحر إيزيس (كلوتيلد دو فو Clotilde de Vaux)

 

كلوتيلد دو فو هي ابنة النور الساحرة التي خر فيلسوفنا أمامها ساجداً منذ أن رآها أول مرة عام 1844 ودام تقديسه لها بعد أن وافتها المنية عام 1846.

سكنته وحولت مسيرته : من موضوعية العلوم الوضعية إلى ذاتية الحياة الإنسانية. فبعد أن وضع نسق العلوم الوضعية في المرحلة الأولى من مسيرته العلمية، وضع في كتابه (دليل العقيدة الوضعية Catéchisme positiviste) منظومة العواطف الإنسانية وشعائر وطقوس العقيدة الجديدة. كما وضع تقويماً جديداً بأسماء بشرية (على شاكلة التقويم الذي وضعته الثورة الفرنسية) يحتفل فيه بعيد القديسة كلوتيلد في السادس من شهر أرشميدس  Archimèdeالموافق نيسان - ابريل من كل عام. وجعل من وجه الفقيدة كلوتيلد أيقونةً مقدسة تمثلُ الإنسانية، يتضرع إليها في معبد الديانة الوضعية.

 

من بعض الإنسانية (من الفرد) إلى سائر الإنسانية (إلى المجتمع)

 

إعتقد أوجست كومت أن حياته الخاصة تستحق أن تكون المحور الذي يدور حوله مصير البشرية كلها، فجعل سيرته الذاتية  مصدر التشريع للنظم الاجتماعية والسياسية.

نشأت لديه فكرة تنظير هذه التجربة الذاتية - فيما يقول - بعد عام من لقائه بكلوتيلد دو فو. فأعاد تنسيق فلسفته الوضعية العلمية وتعديلها، مدرجاً فيها ما اسماه بالديانة الطبيعية La religion naturelle أو ديانة الإنسانيةLa religion de l’humanité

أسس كومت في كتاب (النظام السياسي الوضعي  Système de politique positive) أخلاقاً وضعية أو(ثيولوجيا سياسية) تعتمد المنهجية الذاتية في صياغة قواعد تنظيم الحياة الاجتماعية.

فقانون الحب والإيثار بين الحبيب والمحبوب، يمتد إلى الإنسانية جمعاء ويمثل المبدأ الأول من ثلاثية مبادئ التنظيم الاجتماعي : الإيثار أو محبة الآخر L'altruisme والنظام L'ordre والتقدم Le progrès.

 

بهذه الأخلاق أو اللاهوت السياسي تتحقق سعادة الوجود الإنساني الذي يسميه أوجست كومت بالوجود الشامل أو الكبير Grand Être، ويصبح هو الكاهن الأكبر Grand prêtre القائم على رأس هذا الوجود.

يستعيد ريمون آرون Raymond Aron بعض تحليلات هذا الكتاب بقوله : (يرى كومت أن الإنسان يحتاج إلى الدين لأنه يحتاج إلى أن يحب شيئاً أعلى وأسمى يتجاوزه ويفوقه. وأن المجتمعات في حاجة إلى الدين لأنها في حاجة لسلطة روحية تكرس شرعية السلطة الزمنية وتحد من طغيانها).

 

تبلغ درامية المشهد أوجِها حين يتحدث جون ستيوارت ميل John Stuart Mill في الجزء الثاني من كتابه : (أوجست كومت والوضعية Auguste Comte et le positivisme ) تحت عنوان  : (الشطحات الأخيرة لأوجست كومت Dernières spéculations d'Auguste Comte) عما يسميه بالنكوص العقلي لدى فيلسوف الوضعية، ويقول شارحاً :

(قد يضحك بعضهم ... ، أما نحن، فلا نملك غير الحزن والبكاء أمام مشهد التدهور الذي أصاب عقلية هذا المفكر العظيم.

لقد إعتاد السيد كومت أن يوجه إلينا، نحن الذين كنا أول أتباعه ومحبيه في إنجلترا، تهمة تدبير مؤامرة الصمت حول أعماله الأخيرة. لكن قارئ هذه السطور يمكنه أن يفهم أن سبب هذا الصمت أو التحفظ هو احترامنا لسمعة هذا المفكر وخشيتنا من تأنيب ضمائرنا إذا ما ساهمنا بتعليقاتنا على أعماله الأخيرة في تعميم تشكيك - لا مسوغ له - في صحة الأفكار والتأملات النبيلة التي قدمها أوجست كومت في المرحلة الأولى من سيرته العلمية).

 

المشهد كوميديا إنسانية لوليمة فكرية أعد كومت أطباقها الرئيسية وفقاً لوصفة علمية دقيقة، خالية من أهواء النفس. ثم عاد فأضاف إلى مأدبة العلم الموضوعي توابل الذات الإنسانية، وذلك بعد أن عاش مأساة العشق والفقدان بوفاة كلوتيلد دو فو التي أحبها حباُ وَصَفَه بأنه عبادة  Fétichisme.

 

المشهد الرابع : عصا الحكيم (ياطالع الشجرة)

 

بعد أن قرأنا في الثلاثينيات من القرن الماضي، يوميات نائب (الحداثة) في الأرياف (المصرية). ها هو ذا يعود، في كتابه (عصا الحكيم في الدنيا والآخرة)، في بداية الخمسينيات، ليحاور عصاه السحرية بعد أن تخلى حماره عنه واشتغل بالسياسة.

 

تصف العصا - على لسان الكُتُبي الذي تحول إلى شَرْبَتلي - عبثية المشهد فتقول :

إن الناس لا يريدون اليوم عصير الذهن .. إنهم يريدون عصير الليمون.

 

ويتوقف الحكيم مشدوهاً أمام مشهد صبي يغني ولا يفهم ما يقول :  (ياطالع الشجرة هاتلي معاك بقرة تحلب وتسقيني بالمعلقه الصيني).

كلام بلا معنى، يُسعِدُ من يغنيه دون منطق أو تفسير.

 

لكن الدرويش يدعو الحكيم  للتريث في حكمه، ليتعامل مع مشاهد الحياة بغير ما ألفناه من عصا الصرامة المنطقية. يدعوه - حتى يطمئن خاطره - إلى أن ينظر دون أن ينتظر، كمن يركب القطار بلا قلق، لأنه لا ينتظر محطة معينة للوصول. ‫

 

فشجرة الحياة تؤتي ثمارها على هواها. ولا تحتاج إلى معنى يأتيها من الخارج، فكل المعاني كامنة فيها.

 

تعقيب

 

ظاهر هذه المشاهد وفحواها أن القانون الكوني الحاكم الضامن لخصوبة الحياة هو قانون التداخل الدائم والمتجدد بين النور والظلام، بين بديهيات العقل والمنطق وأسرار القلب والعرفان. وأن مراحل التفكير الثلاث (الدينية والميتافيزيقية والوضعية) ليست عصوراً إقصائية يرفع بعضها بعضاً. لكنها أنساق ومناهج في التفكير كثيراً ما تتجاذب وتتنافر، وكثيراً أيضاً ما تتعايش وتتآزر.

 

إن شجرة الحياة التي جعلت من العالِم الفيلسوف نبياً، والتي فتنت نيتشه بنبوءات زرادشت Zoroastre، والتي يتراشق أبناؤنا اليوم ويتجاذبون تحت ظلالها، ليست شجرة المعرفة الديكارتيةCartésianisme ، بل هي شجرة لا شرقية ولا غربية يرويها إبريق سحرها الذاتي، من جذورها الأولى إلى فروعٍ وثمار تتعدد طعومها وألوانها وأشكالها وفق منحنيات المكان ودورات الزمان.

 

علينا إذاً، اليوم والساعة، أن نذهب بالفكر والمنهج إلى أبعد مما تمليه بديهيات القراءة الأحادية الانتقائية لحداثةٍ جمعت في مواكبها أسفار العقل والروح والوجدان، وتداخلت في محافلها ملكات الإدراك المباشر وغير المباشر.

 

فحتى نتمكن من استشراف المستجد من فنون في الحياة ومناهج في التفكير، وحتى يمكننا أن نتابع المستعاد مما كنا نعتقد أن التقدم الحضاري قد تجاوزه، ينبغي أن نفسح لمدركات الخيال والوجدان مكاناً لائقاً في ميادين العلوم الإنسانية والاجتماعية، بعد أن سبقتها في هذا الشأن، العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية (الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا...).

 

أفكار لدراسة تالية

 

لقد حققت العلوم (الرياضية والطبيعية) فتوحات هائلة في ميادينها البحتة والتطبيقية. وتعالت قدراتها على كشف حقائق الكون وصياغة القوانين العامة والتنبؤ، بالرغم من تجاوز هذه العلوم لمبدأ العلية أو الحتمية السببية، وللعقل الديكارتي ولملكة الفهم الكانتية فضلاً عن تجاوزها لقدرات الحدس والمخيلة الإنسانية ؟

 

فما عسى أن يكون علم الاجتماع الجديد الذي يكلل منظومة علوم مابعد الحداثة ؟

 

أسس أوجست كومت لعلم الاجتماع - في عصر الحداثة - باعتباره (تاج العلوم) أو العلم النهائي الذي يستخلص نتائج العلوم الرياضية والطبيعية والإنسانية ويضفرها في منظومة عامة تحكم الإنسانية أو الوجود الشامل.

ولعل هذا الفهم الكومتي لعلم الاجتماع ما يفسر حرص بيير بورديو Pierre Bourdieu على التمييز الدقيق والصارم، بين العلوم الإنسانية وعلم الاجتماع.

 

ولقد شاهدنا منذ منتصف القرن العشرين، العديد من المحاولات النظرية لاستيحاء النظريات الجديدة في العلوم الرياضية والطبيعية وتطبيقها في ميادين العلوم الإنسانية :

 

-  وجد قانون اللاحتمية أو مبدأ اللاشرطية السببية Indéterminisme في الرياضيات والفيزياء تطبيقه في الميدان الأخلاقي لدى كارل بوبر  Karl Popperفي كتابه :

(الكون المفتوح : برهان لنظرية اللاحتمية The Open Universe : An Argument for Indeterminism).

 

-  كما يتم اليوم استثمار نظرية الأنساق التناثرية Les structures dissipatives في الكيمياء، لإيليا بريجوجين Prigogine Ilya (مع نظرية اللاحتمية ونظرية الكاؤس La théorie du chaos) في تنظير وتنظيم حركات التمرد الاجتماعي والمعارضة السياسية في المجتمعات المتقدمة كالولايات المتحدة وثورات التغيير في بقية مجتمعات العالم، وخاصة في المجتمعات العربية.

 

سوف نتناول، في الشق الأول (النظري المنهجي) من دراسة مقبلة، إشكالية موقع علم الاجتماع على خريطة العلوم، ومدى مشروعية الانتقال من قوانين الرياضة والفيزياء والكيمياء إلى قوانين العمران البشري.

وفي الشق الثاني (الوصفي)، سوف نتابع بعض مشاهد تطبيق قوانين العناصر الرياضية والطبيعية والكيميائية على أفراد وجماعات الحياة البشرية : مثل محاولات استلهام نظريات الأنساق التناثرية واللاحتمية والكاؤس أو الهباء والمرج، السالفة الذكر، في صياغة نظرية الفوضى الخلاقة وتطبيقها على ظواهر التغير الاجتماعي وفي عمليات التغيير السياسي.

 

أسامة خليل

https://ssl.gstatic.com/ui/v1/icons/mail/images/cleardot.gif

 

 

 Du même auteur:

Les origines de l’Être dans la langue arabe

Last Updated on Thursday, 08 January 2015 11:14
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962