السلم الأهلي بين النظرية والتطبيق La paix sociale entre théorie et application par Hind Obiedin PDF Print E-mail
User Rating: / 1
PoorBest 
Written by Hind Obiedin   
Friday, 29 September 2017 09:03

السلم الأهلي بين النظرية والتطبيق

إن الوضع المأساوي الذي تعيشه منطقتنا العربية، والذي يعتبر أسوأ حالة عرفتها هذه المنطقة في تاريخها المعاصر، فبعد خسارتنا فلسطين في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، ولصالح الحركة الصهيونية، فنحن اليوم نخسر البلاد العربية برمتها ولصالح الصهيونية أيضا وقوى إقليمية أخرى، حيث تتعرض المنطقة برمتها الى التفتيت لكي لا تكون هناك أغلبية، وليصبح الكل أقليات من خلال التقسيم إلى دويلات  أو مناطقيات، فيكون التقسيم أحادي الهوية،  سواءً كانت الهوية دينية، أم عرقية، أم مذهبية، أم طائفية، أم حزبية وبذلك تصبح الكيانات القائمة دويلات مجزأة يعمها الخلاف فيسهل السيطرة عليها وعلى ثرواتها في محاولة لحماية أمن اسرائيل وإعطاء هذا الكيان المسخ دوراً متميّزاً كونه الدولة الأقوى حينها.

من هنا نرى أن الخسارتين هما لصالح المشاريع الاستعمارية مما يوجب علينا مواجهة هذه المشاريع وإفشال كل المخططات الاستعمارية عبر العمل الدؤوب والحثيث وبشكل مكثف لمحاولة رسم معالم القادمات وذلك من خلال تشخيص الأسباب التي تقف وراء وصول الأمة العربية والإسلامية إلى الحالة المزرية الراهنة والمتمثلة في التفتت السياسي، والتشظي الاجتماعي، والتخلخل الاقتصادي أو فلنقل الانهيار الاقتصادي، وما يتبع ذلك من  انهيار للمنظومة الأخلاقية والانسانية التي خلفت الكثير من العاهات الجسدية والنفسية.

 

ففي حين يفترض قيم المواطنة العربية والإسلامية في أحسن حالاتها لما تمتلكه من المقومات الثقافية والحضارية ذات التنوع الفريد حيث تعتبر الخزان الأوسع والأشمل للحضارة الإنسانية المتتالية، والإمكانات الجيو سياسية فهي تحتل رقعة جغرافية تجعل منها الأهم سياسياً، أما بالمعيار الاقتصادي، فتكفينا الإشارة إلى الثروة النفطية كعنصر أساسي ناهيكم عن القائمة الطويلة للعناصر والمقومات الاقتصادية الأخرى، القادرة على وضع المنطقة في مصاف الدول المتقدمة ذات الثقل الاستراتيجي بالمعيار العالمي فيما لو استغلت ثرواتها وقدراتها الاقتصادية بالشكل الوطني السليم.

وفي الوقت الذي بدأت فيه مجموعة النخب الثقافية والفكرية بوضع برامج العمل للارتقاء بالمواطن العربي نحو ثقافة العمل الأهلي والتقدم العلمي والإداري وفتح أبواب الحوار بين الثقافات المختلفة بهدف تعزيز وترسيخ قيم المواطنة من خلال العيش المشترك القائم على احترام وتقدير الهويات الفرعية ضمن أيقونة الهوية الجامعة الضامة لكل الأطياف الوطنية وإدماجها في المنظومة الثقافية، بل وفي المناهج التعليمية والخطاب الديني، حتى يتم إكساب المجتمعات فكراً جديداً حول أسلوب الحياة ضمن تعدد وتنوع الجماعات على اختلاف مشاربها وهوياتها، واعتبار هذا التعدد والتنوع مصدر ثراء للمجتمع وللحضارات، وقد كان لمنتدى المعارج لحوار الثقافات والحضارات الدور الرائد في ذلك على مدى ربع قرن مضى من الزمن حيث أكد في عدد من إصدارات مجلة "المعارج" على كون مفهوم السلم الأهلي والتعايش من أهم مفاهيم العمران البشري التي تقر بها جميع الحضارات، في حين أن الخلاف والعنف وغياب القانون والفوضى والفلتان الأمني يهدد تماسك المجتمع وآمنه وسلمه الاجتماعي ويؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمع على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

تعرضت البلاد إلى كثرة الحروب والأطماع الاستعمارية وأعمال العنف، والارهاب والنزاعات المسلحة باختلاف أسبابها ومفاهيمها والتي شكلت حالة كارثية على الإنسانية بكل جوانبها حيث يدفع المواطن الثمن من انسانيته وحضارته وثقافته، وهذا بالتالي انعكس سلباً على المجتمع  من خلال التراجع الفكري والتنموي وانهيار النزعة الإنسانية،  وتراجع أهم مقوم من مقومات الوطن ألا وهو المواطن الإنسان الصالح الفاعل فلا وطن دون مواطن حقيقي ولا قيم إنسانية دون إنسان حقيقي له احترامه وحقوقه المحفوظة وعليه واجبات وطنية مقدرة.

ولكي نجنب مجتمعاتنا  تبعات هذه الكوارث التي حلت على أوطاننا علينا العمل بشكل جماعي ومنظم لإحلال الامن الاجتماعي، لا سيما خلال النزاعات والحروب وما بعدها ويعتبر السلم الاهلي الركيزة الأساسية لبناء المجتمعات الحديثة وعاملاً رئيساً في حماية منجزاتها والسبيل الى رقيها وتقدمها حيث يوفر البيئة الآمنة للعمل والبناء، ويتحقق ذلك بالتوافق والايمان الكامل بالثوابت الانسانية التي توحد النسيج الاجتماعي والثقافي، ولا يمكن تحقيق السلم الأهلي في غياب المواطنة الحقيقة.

لذا فمن الضروري العمل على إعادة زرع مفهوم المواطنة لأهميته في قبول الآخر وتحقيق التواصل السليم بين الأفراد وهذه عملية تحتاج للكثير من العمل المتواصل والمستمر وهي عملية تدريجية، مرحلية تراكمية، من أجل الوصول إلى السلم الأهلي والمجتمعي، وبذلك يتحول المواطن إلى عنصر اجتماعي يسعى إلى تنمية مهاراته ويكتسب المعارف التي تساعده على حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المجتمع الذي يعيش فيه، ويكون جاهز  لإصدار الأحكام والآراء البناءة التي تمكنه من العمل بفاعلية ونشاط في العالم المتغير الذي يعيش فيه فيصبح قابلاً لتحمل المسؤولية والاشتراك في عملية صنع القرار العام عن طريق التمثيل الشعبي السليم.

وبقدر ما تغرس قيم  المواطنة الصالحة ذلك الانتماء الوطني والاستعداد المطلق للدفاع عن الوطن، بقدر ما تتعزز القناعة بأهمية السلم الأهلي عبر المقاييس الوطنية التي تحتاجها عمليات تعزيز اللحمة بين فئات المجتمع، والقضاء على الفئوية، ومحاربة الطائفية .

وتتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه وخدمته اوقات السلم والحرب، والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي والرسمي والتطوعي في تحقيق الاهداف التي يصبو لها الجميع، وتوحد من اجلها الجهود وترسم وتوضع الموازنات.

وبالقدر الذي يكون فيه معنى المواطنة شاملاً وواسعاً يكون السلم الاهلي متيناً لا تؤثر فيه العواصف من أية جهة أتت، وبالقدر الذي تكون فيه المواطنة مقتصرة على بعض الحقوق، أو محصورة هذه الحقوق بفئة دون أخرى من الأطياف الاجتماعية على صعيد اللون أو القومية، أو الدين والمذهب أو المنطقة أو الحزب يكون السلم الاهلي هشاً ومدعاة لنشؤ بؤر تؤدي الى زعزعته فتضيع الدولة ويضيع الوطن والمواطن.

وعلينا أن ننوه إلى أن مفهوم المواطنة في بلادنا يقتضي أن يشمل حق النضال من أجل تحرير الأراضي المحتلة من العدو الإسرائيلي ويكون ذلك في تعميم ثقافة المقاومة واعتبارها جزءً لا يتجزأ من مفهوم المواطنة.

أما مفهوم السلم الأهلي فينطوي على الرفض التام  لكل أشكال القتال والقتل، أو الدعوة إليه والتحريض عليه، أو تبريره تحت أي مسمى والتي تتنافى والفطرة السليمة وطبيعة التكوين البشري كما تتنافى وروح التعاليم الإلهية والشرائع السماوية، ومواثيق حقوق الإنسان باعتبارها مجتمعة تؤكد أن الأصل في الحياة هو معاملة الإنسان مع أخيه الإنسان "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

إن الفهم الخاطئ للمقاصد الشرعية والتأويلات المنحرفة للنصوص الدينية، فضلاً عن الانفلات الفوضوي للفتاوى دون علم أو فقه يعد من أهم مصادر الفتن التي تسود مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم حيث يشكل المدخل الرئيس لحالة الانفلات الأمني الذي يفتح الأبواب للتطرف والإرهاب بكل أشكالهما.

لذا كان لا بد من توفير الأرضية المناسبة للقضاء على مسببات الصراع وحل الخلافات والتفاهم وبالتالي بناء السلام المطلوب فعملية السلم لا تتوقف عند حد صناعته وحفظه بل تتعدى ذلك إلى بنائه بمعالجة الأسباب الجذرية للصراع وتغيير كافة الهياكل والأنظمة التي ساهمت في انتاج الأزمة كما أن غياب التعايش الأهلي يعني تشظيا للإرادة المشتركة، والذاكرة الجمعية وهذا بدوره يؤدي إلى ضياع الهوية الوطنية الجامعة.

ويجب أن لا ننسى أن احتدام الصراع على السلطة من أجل تحقيق أهداف قد تكون طائفية او مصالح فئوية ضيقة آنية او بعيدة المدى قد يدفع بالتعايش السلمي الى مفترق طرق يصعب معه معالجته إلا بعد زوال عوامله الهادمة.

كما لا يتحقق السلم الاهلي إلا بتحرر الفكر من أغلال القيود المصطنعة وبرفع السوية المعرفية النابذة لمفاهيم التفاضل والتمييز المذهبي والقومي وكما لا يتحقق إلا من خلال نظام اجتماعي قائم على وحدة الشعب بكل انتماءاته على أساس التضامن والترابط الاجتماعي الوثيق، على أن لا نغفل دور الحكومات الفاعل في ارساء دعائم التعايش من خلال برامجها السياسية التي تكفل حقوق المواطنة وصيانه الحريات بكل أشكالها من خلال تشريع القوانين التي يكفلها الدستور لصون كرامة جميع الأطياف على اختلاف انتماءاتها دون تميز، كما يقع على عاتق الدولة الاعتماد بالدرجة الأولى على معالجة أسباب العنف والحرص على حل المنازعات بالطرق السلمية قدر الإمكان.

من هنا نؤكد على أهمية دور الإعلام في تحقيق السلم الأهلي وذلك بنبذ أي نشر إعلامي أو رعاية أي من المؤتمرات التي تدعو إلى التصادم لاختلافات دينية طائفية أو عقيدية أو حزبية أو عشائرية وقبلية أو مناطقية وقومية، وتحويل مفهوم الحق بالاختلاف إلى إيديولوجية الاختلاف، فالسلم الأهلي لا يبنى بنزعات الاستفراد والإقصاء وثقافة الكراهية إنما بمبادئ الشراكة والتعاون والتعاضد وإزالة كل الضغائن من النفوس والعقول والسلوك.

كما تعتبر عملية الضبط الاجتماعي إحدى أهم ركائز تحقيق السلم الاهلي والتربية هي أهم هذه الركائز في ضبط المجتمع والأسرة هي البيئة الاولى التي تتعهد الفرد بالرعاية منذ طفولته المبكرة، و تبرز أهميتها في عملية التنشئة الاجتماعية من خلال تشكيل شخصية الفرد و اثرائها فكرياً وثقافياً وسلوكياً لهذا كان الاهتمام الكبير بالأسرة كمؤسسة اجتماعية يقوم عليها النظام الاجتماعي كله وتمثل المرأة ركناً هاماً في بنائها فتقوم بدور الضبط الاجتماعي من خلال تنشئة الأولاد على ثقافة المواطنة والسلام بهدف الحفاظ على النسيج الاجتماعي من التفتت والتشرذم، لاسيما بعد ظهور التنظيمات المختلفة والتي تدعو الى التناحر الطائفي والديني والسياسي.

 

هند نوري عبيدين

Last Updated on Sunday, 29 October 2017 06:40
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962