Espace adhérent

Enterrer la haine et la vengeance PDF Print E-mail
User Rating: / 1
PoorBest 
Written by Ghassan Tueni   
Wednesday, 10 February 2010 13:45

 ملحمة النثر إغريقية أيضاً / سمير عطا الله

الأربعاء 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2009 

  



في القراءة الأولى، تبدو سيرة ذاتية مكتوبة بحب وحميمية. عندما تبلغ الفصل الأخير، فصل "الآخر الذي هو أنا"، يتجمع لديك انك فرغت من قراءة ملحمة كُتبت نثراً، لأن لا الفاجعة فيها، ولا البطولة، تحتمل غنائية الشعر.

الراوي، أو الحاكي، أو الناثر، هنا، يدرك سلفاً أن ما يكتب عنه، كان سيبدو رواية خيالية لولا ثقل الحقيقة وشهرة الأبطال وتكرار الموت المعلن، بحيث تبدو المآسي الإغريقية في أقصى وأقسى دراميتها، مجرد تجربة مسرحية صباحية بالثياب العادية. هنا، ترتدي المأساة في عمقها وفي تكرارها وفي قدريتها المعتمة، أبداً الرداء الأسود المطرز بالذهب، هنا، المأساة تتكرر فصلاً بعد فصل، كأنها وصية الضحايا أن يبقى الراوي ليكتب. شرط ألا يدمع. فهو إذا بكى سقط رهان الغائبين على مدى عظمة حضوره. لقد ولد لكي يكون قلماً على الصخر لا ريشة في الريح.

الذين قرأوا غسان تويني منذ أن اجتذبهم إلى الإدمان، والذين عرفوه منذ أن سقطوا في مدار رفقته، سوف يكتشفون في قراءة "ادفنوا الحقد والثأر" (•)، أنهم على رغم كل ما عرفوا، استطاع أن يخفي عنهم حقيقتين: الأولى، مدى إلحاح المأساة على بيته، والثانية مدى ما عمل وما حقق وما أنجز وما فاق وما تفوّق. يجب أن تقرأ السيرة مجمّعة، لكي تكون الصورة في حجمها الطبيعي، لنائب في الرابعة والعشرين حليفه رئيس الجمهورية، لمرشح في السادسة والعشرين، خصمه رئيس الجمهورية، لصحافي وسياسي ودبلوماسي، يقلب الحكومات من داخل ومن خارج، ويستقيل في وجه الرؤساء، وينازل العهود العاتية، ويمضي في السجون الأشهر والأيام، في قواويش زينتها عتاة المجرمين ومسقط المرتكبين وعفونة المكان.

تنفتح السيرة على شاب دبلوماسي في الأمم المتحدة يحاول أن يبلغه رئيس الوفد، كميل شمعون، أن والده، السفير في الأرجنتين، توفي في تشيلي. يكفهر وجه شمعون ويتلعثم، فيسهل عليه المهمة: "هل مات أبي؟". بعد نصف قرن، غسان تويني في شقته، في باريس، يشاهد أخبار لبنان. فجأة يعلن "ملحق" مشؤوم أن انفجاراً قد وقع على طريق بيت مري. يرفع الهاتف ويسأل البيت في بيت مري: هل غادر جبران إلى المكتب؟ يقال له، انه غادر قبل دقائق. الوقت الكافي للفخ القاتل.

قبل سنوات، كان قد تلقى هنا، في باريس، هاتفاً من مستشفى "لابيتيه سالبتريير"، يبلغه ما كان يخافه: ابنه مكرم، الغارق في غيبوبة منذ أسبوع اثر حادث سير كئيب، سوف يكمل طريق الغيبوبة. يتطلع الى السماء متوسلاً سيدها: "ماذا فعلت لأستحق هذا". لا اسم ولا نعت ولا وصف لما حدث: "هذا". و"هذا" هو ما وصفت به مريم حالها في السورة، وهي تخاطب ربها، في أقصى لحظات التوسل إليه.

في قدر غسان تويني، بجماله وفجاعته، منطلق إغريقي. في أثينا، 1954، يتعرف الى ناديا، ابنة السفير محمد علي حمادة، 19 عاماً. ليس حباً من النظرة الأولى بل افتتان صاعق. ولكن كيف، أوائل الخمسينات، يمكن شاباً أرثوذكسيا، الزواج من فتاة درزية؟ تتصاعد العاصفة عندما يعود الى بيروت وتبدأ ناديا بكتابة الرسائل. يقرران الزواج المدني، ولكن لا زواج مدنياً في لبنان أو في اليونان. إذاً، زواج كنسي. لا. مطران أثينا يرفض زواج امرأة غير أرثوذكسية، تقترح ناديا أن تقبل العمادة. لكن العمادة عند الروم ليست مياهاً على الرأس بل على الجسم كله، لا يهم. هكذا تجري عمادة ناديا محمد علي حمادة.

يقيم الزوجان استقبالاً في بيروت، لا يحضره من الدروز سوى اثنين: أستاذ في الجامعة الأميركية أشيع انه تنصّر من اجل الوظيفة، ومروان حمادة، شقيق العروس. وإذ يكتب غسان تويني عن ناديا الآن، ويستعيد سنوات الحب وشقاء المرض وعتم المأساة، يبحث لها عن جميع أوصاف الحب، وينتهي بأنها كانت له "أختا"، وليست فقط شريكة وزوجة وناصحة وعشقاً.

ولا يعتذر من شادية، التي حملت معها الى بيت مري، اشراقة الليل والنهار، عذوبة الحضور وعزاء الغياب، بل يشكرها لأنها قبلت المجيء الى هذه العلية من الصنوبر، حيث في الحديقة جثمان نايلة الصغيرة وجثمان ناديا، وصورة مكرم، وروحه، ولوحته المعلقة في وجه الأب كيفما استدار: "ماذا فعلت لأستحق هذا".

كانت نايلة الصغيرة أول موت في البيت. أو بلغة غسان تويني "أول غرق". ولم يكن موتها في السادسة من العمر، هو العذاب الكبير. كان موتها، وهي تصرخ في احد مستشفيات لندن "بابا، لا أريد أن أموت" هو العذاب الصغير. العذاب الكبير سوف يهبط على بيت مري، عندما تكتشف ناديا في الوقت نفسه أنها مصابة في الرحم، وتقرر أنها هي التي أعطت المرض لصغيرتهما. ولن يفارقها هذا الألم. لقد واجهت جميع الآلام الأخرى بكل شجاعة حتى اللحظة الأخيرة. أما ألم نايلة فكان صلاتها اليومية. وتركت للرجل الذي عشقت وأحبت، أن تكون صلواته على البقية كثيرة: نايلة، ناديا، مكرم ورذاذ جبران، على الطريق اليومي من بيروت واليها، من "النهار" واليها. نهار الأب والابن ونايلة الحفيدة.

***

هام عمالقة النصف الأول من القرن الماضي بـ"الآنسة مي"، أو مي زيادة. وتبارى ثلاثة من كبارهم في الوصف: عباس محمود العقاد وطه حسين ومصطفى صادق الرافعي، ابن طرابلس الذي طلبته مصر يفتي في أهلها ويفقه. وإذ أراد العقاد أن يتفوق في بذل الجماليات والبلاغة قال "جبينها حرّ". فماذا أجمل من الشدو، وماذا أفسح من أغصان الشجر؟ يقول غسان تويني أن حرية الكلمة هاجس عنده لا مجرد شغف. وإذ يعدد معلميه في الحياة وأولئك الذين تأثر بهم (الإمام موسى الصدر، البطريرك اغناطيوس هزيم، الدكتور شارل مالك، كمال جنبلاط وجبران تويني الأب) لن يترك لنا شكاً في أن والده هو الأثر الأكبر. رزق جبران تويني أربعة صبيان، وأطلق على كبيرهم اسماً يستخدم للمرة الأولى: غسان، تيمناً بعروبة النصارى الأوائل. وترك الأربعة بلا عمادة: عندما يبلغون السادسة عشرة يختارون، هم، دينهم. لكن الأم أديل سالم دبت الصوت على مطران بيروت: عمّدهم بالسر عن جبران، لا أريد أولادي من دون دين. تردد المطران: هل تريدين لي مشكلة مع زوجك؟ قالت الزوجة: لك أن تختار، إما تغضب الله وإما تغضب زوجي.

في النهاية انصاع الأب وجاء يحضر عمادة عائلية جماعية لا سابقة لها. أربعة أشبال، لا أربعة توائم. هو، أيضا الأب، من علّم الابن حب الحرية. فقبل أن يؤسس "النهار" أسس "الأحرار"، وبقيت الحرية والعروبة ومحاربة الفساد، المدرسة والإرث اللذين تركهما للأربعة، مؤمناً بأن بكره سوف يتولى ذات يوم تحويل الاستمرارية إمبراطورية، من جواهر الإمبراطوريات الصحافية في الشرق.

يجب ألا ننسى أن جبران تويني، التلميذ في "الثلاثة أقمار"، كان يبيع الصحف على رصيف المدرسة خلال الفرص، لكي يجمع شيئاً لرحلة التكوين الصحافي في باريس ثم في المنصورة. ثم يعود الى الأشرفية رائداً من رواد الصحافة.

نقل غسان تويني "النهار" من بدايات القرن العشرين الى أواخره، محاولاً أن يتبع خطى العصامي الذي تقدم. وعندما صار مثله وزيراً للتربية، حاول أن يستكمل ما بدأه، فلما اعترض الرئيس سليمان فرنجية، استقال وعاد الى حصنه في "النهار". لكنه ازداد اقتناعاً بوجوب العودة الى البرلمان. يقول في حميمية مطلقة: "من جرّب الندوة مرة سوف يظل يحن إليها". هكذا يقولون عن الذين يشربون مرة من مياه روما. ليس بالضرورة من "عين تريفي". أي ينبوع في روما.

لم يخجل غسان تويني يوماً بطموحاته، التي حدّ منها شيء واحد، هو حدود الطائفة. ولا بد انه شعر بمرارة عميقة وهو يرى الهوية المارونية تكفي في ذاتها للوصول الى اعلي مرتبة وطنية، من غير أن يستطيع رجل في مثل كفاياته وألمعيته، أو عالم مثل أستاذه شارل مالك، بلوغ شرف العَلَم، وحتى أحياناً بلوغ المقعد النيابي. ألم يلغ صديقه، الرئيس كميل شمعون، مقعده في بيروت، بإشارة الى دوائر الشطب؟ ألم تكن "القوانين" الانتخابية في الغالب، خروجاً مزاجياً استنسابياً، على روح القانون وروحية الفرص أمام المستحقين وذوي الكفايات الكثيرة والعالية؟ ألم تكرس "القوانين"، شرعة الإقطاع السياسي، وتلد إقطاعات جديدة، غالباً ما يمارس فيها المثقفون المتمردون سابقاً، جميع شعائر الخضوع وطقوس الصنمية، والمشي فوق التزامات الماضي، من اجل كسرة من الجاه وشيء من فتات السلطة؟

أتساءل، لماذا قرر غسان تويني أن يكتب هذا النوع من المذكرات بالفرنسية؟ هل لأنها لغة ناديا؟ هل من أجل قارئ واضح المواصفات، قدير على تفهّم لغة اللوعة المترفعة؟ هل لأنه يريد أن يصف كل مأساة سقطت على بيت مري بـ"غرق جديد". أو ما هو، بالفرنسية، أكثر غماً من الغرق Naufrage؟

في القدس، التي أحبها مثل بيروت، بدأ غسان تويني عمله الصحافي مراسلاً لـ"النهار". ذهب، عام 1948، لتغطية معركة المدينة الأبدية. القدس لنا، كان يقولها غسان تويني ورفيقه اغناطيوس هزيم، قبل أن تحوّل فيروز الشعار ترتيلة صناجية مثل "أنا الأم الحزينة". فهذا المفكر المحب لجميع الأديان، هو مؤمن على الرأي المستقيم. والمؤمنون يتقبلون أقدارهم ومشيئة الربّ على أنها فرض. اللهم لا ردّ لقدرك، ولكن تلطف به. وإذ كانت حكمته ألا يرأف، فلتكن إذاً مشيئتك وليأت ملكوتك.

في القدس يذهب الى المعارك، على الجبهة العربية، مع صديقه مراسل "الدايلي ميل". وذات يوم، ذات معركة، تصيب الشظية المراسل الرابض الى جانبه. يموت الرجل بين يديه: "وكان ذلك أول موت أشاهده". بعدها، شهد تقسيم القدس، الذي حاول مع العرب محاربته في الأمم المتحدة، ومات جبران تويني في تشيلي وهو يخطب ضده.

ثمة "اله واحد في منازل كثيرة" يكتب غسان تويني، وهو ينهي الفصول الأخيرة من الكتاب بجملة أخيرة من إحدى قصائد ناديا: "تراني ولدت مصادفة في بلد لا وجود له". وإذ يمضي في البوح الشاعري يسرّ إلينا بأنه في تضرعاته لا يتوسل مريم أم يسوع، فبابها عال ومرتبتها عظيمة، وبدل ذلك يخاطب ابنة الجليل، مريم المجدلية، الخاطئة التي صارت رمز الغفران والسماح المضمخ بالطيب وعطر الورد وأثير الياسمين. منذ 48 عاماً، وأنا أحب غسان تويني وأقدره وأعجب به. وبعد قراءة هذا الكتاب اكتشفت كم كنت مقصراً ومقلاً .

• صدر عن دار البان ميشال، باريس.

عن جريدة النهار 28/10/2009

 

Last Updated on Thursday, 11 February 2010 09:27
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962