Espace adhérent

آراء إنها روح الكواكبي التي لم تهدأ د. خالد الحروب – كامبردج PDF Print E-mail
User Rating: / 2
PoorBest 
Written by Khaled Alharoub   
Tuesday, 01 February 2011 15:14
آراء
إنها روح الكواكبي التي لم تهدأ
د. خالد الحروب – كامبردج


 

إن كان هناك من يجب أن يُستدعى فكره وتُستحضر روحه الوثابة في أيامنا هذه فلا أحد غير عبد الرحمن الكواكبي. إنه طاووس الحرية الذي تبختر في شوارع الشهباء رغم الاستبداد التركي الذي كان يكيد له صباح مساء. وهو حبر الحرية الذي خط "الطبائع" في حلب ونشرها في القاهرة حيث هاجر بحثاً عن حرية عشقها حتى الثمالة. لو لم تعمل طبائع الاستبداد على التخلص من الكواكبي باكراً، بالسم، وهو في ذروة عطائه في منتصف أربعينات عمره، لكان واصل إنتاجه الفذ أضعافاً مضاعفة. لكن يكفيه سفره العظيم "طبائع الاستبداد". يكفيه أنه اختصر الجدل من اول المشوار وسطر أن "الحرية أم البشر" وأن "الاستبداد أصل كل فساد". الكواكبي كتب بعمق وغضب في آن معاً. كتب بعمق قائلاً إن تاريخ وسيروة العرب تقضي بعدم قبول الاستبداد. وكتب بغضب مستهجناً أن يقبل العرب ديمومة الاستبداد، التركي آنذاك، وبطشه بهم صباح مساء. أهمية درس الكواكبي انه نقض ومبكراً جداً مقولات صار لها أن تحتل مكاناً في قلب التنميط السالب عن العرب أفراداً وجماعات ذاك أنهم بالطبع والتطبع قابلون للاستبداد لا يثورون عليه. ففي القراءات اللئيمة للاستشراق الكلاسيكي والحديث، ومن دون التورط في التعميم أو اتهام القراءات الحميدة في الاسشراق، تم صك "جوهرانية" العرب ثقافة وديناً وتاريخاً، وبأن خضوعهم للاستبداد ينتسب إلى تلك "الجوهرانية" وهو بهذا المعنى متأبد فيهم!

تعززت تلك النظرة اللئيمة خلال العقود الماضية إذ كانت تطرق رؤوسنا بالسؤال الكبير لماذا لا يثور العرب ضد الظلم والاستبداد؟ وقد تفاقم السؤال في وجوهنا بشكل أكثر جبروتية بعد انقضاء الحرب الباردة إذ أزيحت عن صدور الشعوب، بدءاً بأوروبا الشرقية ثم امتداداً إلى مناطق أخرى من العالم، دكتاتوريات عاتية ما كان يُظن أن إزاحتها تقع في نطاق الأمد المنظور. موجة الديمقراطية والانفتاح السياسي التي عمت جغرافيات عديدة في قارات الارض لم تمر بالمنطقة العربية. صمد الاستبداد العربي بشكل مدهش وبقي السؤال العنيد: لماذا لا يثورون، ولماذا لا يتدمقرطون؟ صمد ذلك الاستبداد ايضاً في وجه حملة جورج بوش الابن لدمقرطة الشرق الأوسط، وهي الحملة المشبوهة بأهدافها، لكنها أربكت السلطوية العربية إلى درجة دفعها لاحتواء الحملة بأشكال مختلفة وصلت إلى عقد القمة العربية سنة 2004 في تونس تحت عنوان الإصلاح!
الانتفاضات التي نراها اليوم في طول وعرض العالم العربي صحية وتعيد ثقة العرب بأنفسهم افراداً وشعوباً، وتنقض وتدمر مقولة الخضوع العربي للاستبداد، وتعيد الروح لصيحة الكواكبي في مطلع القرن العشرين. العربي الذي بُهر به نفس الاستشراق الكلاسيكي القديم بكونه متحرراً من كل قيد ومستبطناً تحرر الصحراء وانفتاحها على اللاحدود، هو نفسه الذي ظلمه ذلك الاستشراق وكبله بمقولة الخضوع المؤبد للاستبداد والقبول به. ما نراه اليوم، وبغض النظر عن الظروف الآنية والدافعة، يعني أن التوق للحرية والكرامة السياسية هو مشترك إنساني لا تُستثنى منه قومية أو شعب. ويعني أن المحرك الأساس في اندفاعات الناس والشعوب نحو تغيير ظروفها باتجاه الأفضل هو السياقات التاريخية والاقتصادية والسياسية وليس مزاعم التثاقف الجوهراني. إذا ما تواجدت ذات السياقات وضغطت على شعب من الشعوب أو مجموعة بشرية هنا أو هناك، وحيث تسيطر ظروف متشابهة، فإن الاستجابات تكون متشابهة أيضاً.
السياقات التي مر بها العالم العربي وشعوبه ودوله الناشئة حديثاً ونخبه المرتبكة أدت في مجموعها إلى إطالة عمر الدكتاتوريات المحلية التي وقعت في إغراء إمكانية مد سيطرتها على الحكم من دون أسقف زمنية. شملت تلك السياقات صدمة الاستقلال المفاجئ والمجزأ والشرعيات المحلية البازغة الموازية له، والارتباك بين ما هو قومي وما هو قطري، وتقديم اولوية التنمية والبناء، ومواجهة التهديد الإسرائيلي متعدد الجبهات، على مطالب الحرية والديمقراطية والانفتاح السياسي، إضافة إلى خضوع المنطقة إلى تدخلات خارجية طاحنة. أوجدت تلك السياقات ظرفاً تولدت فيه فسحة زمنية عريضة منحتها الشعوب لنخبها، دكتاتورية كانت أم غير ذلك، كي تلتقط أنفاسها وتؤسس لدول واجتماع سياسي ناجع وعادل. بيد أن كل المسوغات التي أقنعت الشعوب بإمكانية، وربما ضرورة، منح نخبها تلك الفسحة الزمنية انتهت وفقدت مفعولها. زال الارتباك القومي القطري وتكرست سيادات البلدان وما عاد ايها بإمكانه استخدام فزاعة الذوبان في إطار وحدوي أعم من أجل إطالة نمط الحكم فيه. والشرعيات الثورية وغير الثورية التي اقتنصت الحكم في حقبة ما بعد الاستقلال وقامت عملياً على منطق "الغلبة" استنزفت رأسمالها التاريخي ولم يبق لها، أو لمن توارثها، اية مبررات يستقوي بها على الشعب أو حتى على النخب الجديدة الصاعدة ليبرر استمرار سيطرته على الحكم. كما أن مسوغ تحقيق التنمية وطحن الحرية والديمقراطية على مذبحها لم يعد يقنع احداً، خاصة وقد ثبت تلازم الاثنين. فالتنمية الحقيقية والاقتصاد الناجح يستلزمان حرية وشفافية وديمقراطية وقضاء نزيهاً يعلن حرباً لا تهدأ ضد الفساد. ذلك ان ما حققته كثير من البلدان العربية من تنمية نسبية ونجاحات اقتصادية، كان الفساد والمحسوبية يقف لهما بالمرصاد ويلتهم ما يتبرعم منهما.
نفس الأمر ينطبق على مسوغ إسرائيل والتدخلات الخارجية وقد استخدما كفزاعة دائمة لتأجيل الإصلاح والانفتاح السياسي والدمقرطة. فإسرائيل واحتلالاتها وتهديداتها زادت ولم تنقص في ظل شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". كما ان اسرائيل ذاتها والتي هزمت العرب مراراً وتكراراً تقوم على نظام ديمقراطي وتعددية سياسية (طبعاً مع استثناء عنصريتها إزاء فلسطينيي الداخل)، ومع ذلك فهي تخوض حروباً وتنخرط في تهديدات وتنتصر فيها. معنى ذلك أن النظام الديمقراطي والحرية السياسية لا يقفان ضد تصلب وتصليب الإرادة الوطنية إزاء التهديدات الخارجية، وهناك امثلة من العالم لا تحصى لتدعم هذه النقطة.
خلاصة الأمر أن ما كان قد اعتبر استثناء عربياً يسم العرب بجوهرانية وتأبيد الانتساب للاستبداد والثيوقراطية السياسية والقبلية والدينية لم يكن سوى التعبير العريض عن فسحة زمنية منحتها الشعوب العربية لنخبها في ظرف تاريخي وسياق سياسي محدد. ويبدو الآن أن هذه الفسحة قد انتهت أو في طريقها للانتهاء. والشيء المدهش والمعلم البارز في الاندفاعات والانتفاضات العربية الراهنة هي أنها شعبية بامتياز، كواكبية الروح، وليست نخبوية ولا تستطيع حتى الاحزاب السياسية والمعارضات ادعاء تحريكها وامتلاكها. معنى هذا ان الشعوب التي كانت قد قررت منح الفسحة الزمنية الموصوفة في هذه السطور هي ذاتها التي تسحبها الآن وتقرر مصيرها بيدها. ومعنى هذا أن تعاليم تبن الشهباء التي استلهمها الشابي في نشيده الخالد حول إرادة الشعب واستجابة القدر لها لا تزال تخضوضر حول قبر كواكبي الحرية المدفون في القاهرة والطالع منها الآن.
Email: This e-mail address is being protected from spambots. You need JavaScript enabled to view it

 
تاريخ نشر المقال 31 كانون الثاني 2011
 
Last Updated on Sunday, 12 June 2011 11:50
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962