Espace adhérent

الله كما رأيته ...الوطن كما يراني داليا حيدر PDF Print E-mail
User Rating: / 1
PoorBest 
Written by Dalia Haidar   
Friday, 08 April 2011 16:00




 

 في صيف العام الذي بلغت به الثامنة عشرة، علمني أبي أن أحب الله بلا خوف. كان الوقت مساء حينها، طلب مني إعداد فنجاني قهوة وجلسنا وحيدين على شرفة منزلنا في القرية، تصلنا من الشارع صوت فرقعة الحصى الناعمة وأغصان الأشجار تحت أقدام الفتيات المتعطشات لمشوار المساء التقليدي.

كان صوت أبي رخيما، هادئا، وواثقا: لاشي يخلق من العدم يا ابنتي . قالها وهو ينظر في عيني بثبات. أما أنا سرعان ما نظرت الى فوق بخوف حيث تراءى لي الله متلصصا علينا من خلف القمر.

بعد 15 عاما من تشكل أفكاري في هذا المكان من العالم كان من الصعب أن أقتنع ان الله لطيف، وغير مخيف. لطالما رأيته يتسلل من بين زوايا غرفة الصف العاتمة خلال حصص التربية الدينية ليدفعني باتجاه الخيط الرفيع الموصل الى الضفة الأخرى: حيث الجنة. كنت أحاول التوازن على ذلك الخيط بينما ألسنة اللهب تتصاعد من جهنم الممتدة تحتي. لم أقتنع يوما واحدا أنني سأعبر دون أن أقع.

في سنوات مراهقتي الأولى، كان الله يزورني في المنام، كوحش يكسوه الشعر ويقبع كسحابة داكنة فوق سريري. أقوم فزعة وأبدأ بالصلاة. في الصباح، غالبا ما أكون على موعد مع صديقة عمري في إحدى الحدائق العامة وسط العاصمة، نبوح لبعضنا بشكوكنا، ومخاوفنا.. بينما الله ينظر الينا مواربا من خلف الأشجار العالية على امتداد باحة الحديقة.

 

مع الوقت، بدأ الله يتوارى عن محرمات أحاديثنا السرية أنا وصديقتي. ألفناه أكثر، وبات كل يوم يكبر داخلنا، ليس فوقنا، في حين كنا نمتلئ بهمّ بدا أكبر من محاولة فهم الله: الوطن.

أذكر عندما طلبت المعلمة منا يوما أن نكتب عن أي فكرة تخطر ببالنا، كتبت بيسان عن خارطة تنزف دما بسبب الجروح، وكانت تشير وقتها الى الحدود التي تقسم العالم العربي. صرخت بوجهها المعلمة وقالت لها أن الفكرة حالمة للغاية، وأن أستاذ اللغة العربية لن يكلف نفسه بمحاولة التكهن بما تقصد عندما يصحح الموضوع. بكت صديقتي كثيرا، بينما نحن، اللاتي رددنا منذ دقائق فقط شعار "الأمة...العربية.. الواحدة" نظرنا الى المدرّسة بذهول.. وخوف.

 

 

مضت سنوات قليلة ونحن نفتش في قصاصات دفاتر الدراسة عن معنى آخر للوطن، غير ذلك الذي درسنا عنه في كتب التربية القومية، بينما تفيض الفضائيات بأخبار فلسطين ولبنان والعراق. باندفاع وحماس رسمنا لوحات، رفعنا لافتات وخرجنا من المدرسة، في ذكرى إحدى المجازر، للتظاهر نصرة للقضية الفلسطينية. هناك، استوقفني شاب لا يتجاوز العشرين عاما، دون أن يعرّف بهويته سوى أنه "حزبيّ"، وصرخ في وجهي لأنني لم ألتزم في عباراتي "الثائرة" بشعارات حزب البعث العربي الاشتراكي.

كانت الانتفاضة الفلسطينية تزحف فوق أجسادنا المكبلة. غاضبتان و عاجزتان، قررنا انا وصديقتي ذاتها أن نبحث عن مكتب منظمة التحرير الفلسطينية للتبرع بمصروفنا الشهري لأي يكن، المهم جهة فلسطينية. ولصعوبة إقناع أي أحد بالفكرة "الساذجة" لم يكن أمامنا سوى الهروب من المدرسة، خلال حصة العلوم. بلباسنا المدرسي المثير للشكوك، وبطاقة باص واحدة تقفينا أنا وبيسان آثار عنوان أبعد ما يكون عن الوضوح. انتهى بنا المشوار الى إذاعة القدس. على باب مكتبه، صافحنا مدير الاذاعة فضل شرور "رحمه الله". امتلأت عيناه بالدموع عندما أفصحنا عن سبب قدومنا. رفض استلام نقودنا، التي لم تكن تساوي شيء بأية حال، وأضاف أنه يكفي الشعب الفلسطيني أننا نفكر به، وغير ذلك لا يمكننا فعل شيء.

 

منذ ذلك الوقت، خبا بريق ما في عيوننا، وخبت معه قدرتنا على فعل أي شيء. بدأت أحلامنا بالمستقبل تكبر، بكل حيادية، وخارج أي إطار لفهم انتمائنا بشكل مختلف عما نتلقاه. تشكلت خرائط من حولنا، ونحن هنا نستجرّ تعريف الوطن الواحد، ذي الشعب الواحد، اللغة الواحدة، الآلام  والآمال الواحدة.

منذ أسابيع ثارت مصر، ومن قبلها تونس، وليبيا تسبح اليوم بدماء شبابها، ونحن في منازلنا نتابع التلفاز بينما نأكل الشوكولا. معنيون بالموضوع، لجميع الأسباب التي كبرنا عليها، وغير معنيين أبدا، لإن من قامت الثورة ضده ليس مسلحا فوق دبابة حربية بعيون زرقاء ولكنة عبرية، أو أمريكية. إنه قائد.. وعربيّ.

تونس التي باغتتني كلحظة فرح مسروقة... طبعت على خدي قبلة وركضت بعيدا. مصر انتفضت داخلي، قفزت من بين ضلوعي، وكبرت أمامي طفلة وحشية تقطر سمرة عذبة. أما ليبيا فلازالت تفاصيل أخبارها العاجلة تحاصرني، تجثم فوقي، تزحف، تكبّلني، تخنقني، و تشلّني. تئنّ من وجعها.. وأئن أنا من عجزي.

 

أبي، الذي خطفه السرطان منذ عامين، لم يعد بجانبي وأنا أثبت في تفاصيل الوقت الهزة التي استفاق عليها زمني "الفارغ" و"المثير للشفقة" كما اعتدنا أن نصفه. صديقتي، التي باتت الآن على الجانب الآخر من الكرة الأرضية، تبكي تارة وتضحك تارة أخرى بينما نتذكر سوية كلما سبق. تبرق عيناها كلما مرّ اسم مصر عابرا.

بعد دقائق من تنحي الرئيس المصري حسني مبارك، قالت لي بيسان أنها استعادت قدرتها على الحلم.. الآن فقط. بينما كنت أكلّمها، كتب أحد أصدقائي المصريين على فيس بوك، "أول مرة أشعر أنه بات لدي وطن لا أخاف منه."

عبارته صفعتني. أنا التي أمتلئ اليوم بالله...ولا شيء سواه.

 

صحافية من سورية

 

اللوحة من أعمال الفنان أيمن الحلبي من الجولان السوري المحتل

*****

خاص بأوكسجين

http://www.o2publishing.com/_new1.php?FileName=20110331225011

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

 

 
 
 
 
 
 

 


Last Updated on Sunday, 12 June 2011 18:41
 

Promotion 1963

MLFcham Promotion 1963

Giverny - Mai 2004

MLFcham Giverny - Mai 2004

Athènes - Oct 08

MLFcham - Athènes - Octobre 2008

Promotion 1962

MLFcham Promotion 1962